غزة عام 2020.. كيف السبيل للعيش؟؟

نشر 14 مارس 2013 | 07:32

قبل عدة شهور أصدر المكتب الإقليمي للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية تقريرا موسعا يستعرض توقعاتهم بشأن الأوضاع المعيشية التي ستكون عليها خارطة غزة في العام 2020م- أي بعد سبع سنوات من الآن فقط-، التقرير استند في المعلومات التي قدمها على وثائق وإحصائيات حصل عليها من الجهات والمؤسسات الرسمية الفلسطينية، وفي المحصلة فقد جاء التقرير بعنوان “غزة لن تكون مكاناً ملائماً للعيش في 2020″!!.

 

غزة

 

الغريب في التقرير أنه اشتمل على حقائق ومفاجآت كارثية على الوضع الفلسطيني، وستصنع أحداثا مؤلمة إن لم يتم استدراك الوضع الفلسطيني بخطط تنموية إستراتيجية وعاجلة منذ هذه اللحظة، وعدم الانتظار حتى تغرق سفينة غزة في بحر ستكون مياهه تحولت للعادمة تماما ولن نجد منه سمكاً طرياً يأكله أبناؤنا أو مياه تخفف علينا من وطأة حر الصيف.

 

ولوضع النقاط على الحروف بعيدا عن الاسترسال كثيرا في الكلام دون الدليل، يمكن حصر أبرز ما جاء به التقرير في أن “عدد سكان قطاع غزة سيصل إلى 2,1 مليون نسمة عام 2020 مقارنة بنحو 1,6 مليون حالياً”.

 

إن هذا العدد غير القليل من الزيادة السكانية في هذه البقعة الضيقة من الأرض سيشكل أزمة حقيقية لجميع الأطراف، فلا يكفي التصريحات النارية المختلفة في الوقت الراهن من المسئولين تجاه هذه الأعداد من الناس، وهذه الحقائق تستوجب الاستنفار من كل الوزارات والبلديات ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” والجمعيات الخيرية والمثقفين والمتخصصين، ولن ينفع بعد اليوم أن نستمع لأخبار من قبيل رحب المسئول أو استقبل وأشاد… فهذه أخبار لن توفر مستلزمات الحياة لهذه الأعداد، نحن بحاجة لتحرك عاجل يكون عنوانه من قبيل افتتاح محطة كهرباء، افتتاح محطة لتحلية المياه، افتتاح عشرات المدارس، وهكذا.

 

إن الحركة العمرانية الكبيرة التي يشهدها قطاع غزة في الوقت الراهن، لا يمكن البناء عليها بأن اقتصاد قطاع غزة بات قويا ومتينا وقادر على تحدي أي مواجهة قد تعترضه خلال السنوات المقبلة، فالحركة العمرانية الحالية إنما هي ناتجة بفعل الحصار الذي كانت حلقاته شديدة قبل عدة أعوام، أما الجانب الآخر للمعادلة فيؤكد وجود حالة ركود كبيرة في قضية شراء الشقق السكنية من قبل المواطن الفلسطيني. صحيح أن البناء كثيرا، لكن حركة البيع للشقق السكنية قليلة نتيجة ارتفاع أثمانها، كما أنها إن حدثت فهي تجري من خلال أقساط البنوك، وهذا أمرٌ خطير جدا، إذ يجعل من المواطنين مرهونين للبنوك.

 

ولتوضيح الأمور أكثر، ولتحديد بعض الخطوط العامة للعمل عليها وإطلاق الخطط الإستراتيجية العاجلة والعمل على تمويلها بأسرع وقت ممكن، يمكن حصر نقاط الضعف التي هي بحاجة لتطوير واستنهاض قبل فوات الأوان فيما يلي:

 

1-  مياه الشرب: خلال ورشة عمل لدراسة تقرير الأمم المتحدة، وفي ورقة بعنوان “أزمة المياه في قطاع غزة تحديات وتوجهات”، قال المهندس سامي عجور من مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين: “إن قطاع غزة يعاني من عجز سنوي متراكم لتغذية الخزان الجوفي يتراوح بين 70-100 مليون متر مكعب في السنة وهذا يفوق بثلاث أضعاف تقريبا كمية المياه التي تصل لتغذية الخزان الجوفي من جميع المصادر سواء من الأمطار أو الجيران الطبيعي للخزان الجوفي”. إن هذا الأمر يدعو إلى القلق الشديد فالمياه الجوفية باتت مالحة لدرجات كبيرة هذه الأيام ولا تصلح للشرب وفق مختلف الدراسات التي تجري خلال السنوات الماضية- هذا في ظل عدد السكان الحالي، فما بالنا عندما يزيد العدد نصف مليون آخر-. وقد أكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الطلب سيزداد على المياه ليصل إلى 260 مليون متر مكعب سنويا في عام 2020 أي بزيادة قدرها 60% عما يستخرج حاليا من طبقة المياه الجوفية. إذاً فإن المطلوب وضع وتنفيذ خطط إستراتيجية تتمثل في إنشاء محطات لتحلية مياه البحر وتحديد أساليب حفر الآبار الارتوازية ومنع أي استنزاف للمياه من المواطنين، والقيام بخطط للاستفادة لأكثر درجة ممكنة من مياه الأمطار.

 

2-  المياه العادمة: وهي أيضا مشكلة بحاجة إلى حلول إبداعية، فاستمرار ضخها على البحر بصورتها الحالية سيشكل كارثة حقيقية في العام 2020م، والمطلوب إنشاء محطات معالجة تنتشر في مختلف أرجاء قطاع غزة تكون قادرة على تلبية احتياجات أكثر من مليوني فلسطيني، فالمياه العادمة يمكن أن نستفيد منها في ري الحدائق العامة والمزروعات المختلفة، وتتحول إلى عنصر فائدة بدلا مما هي عنصر تدمير لبيئتنا في هذه الأيام.

 

3-  الزراعة والغذاء: من غير المعقول أن تبقى أساليبنا في الزراعة كما هي اليوم في العام 2020م، فأسلوب الزراعة أو نوعه يجب ألا يبقى كما هو، من ناحية النوعية ومن حيث الاستهلاك للمياه الجوفية التي بات عجزها كبيرا بالنسبة للإنسان، ولذلك فالواجب البحث عن موارد جديدة لري القطاعات الزراعية بحيث تكون مستقلة عن موارد الإنسان. كما أن الأفواه التي ستكون مفتوحة في العام 2020 بحاجة إلى ما يملأها من الطعام.

 

4-  التعليم: مجتمعنا الفلسطيني في ذات العام المنتظر وفق تقرير الأمم المتحدة 2020م، سيكون أكثر من 60 في المائة منه من الشباب تحت سن ثمانية عشر عاما، وهو ما يعني أنه سيجعل لدينا مئات آلاف الشباب الذين يحتاجون لمئات المدارس والجامعات وآلاف المعلمين، وكل هؤلاء بحاجة لميزانيات كبيرة وضخمة، والمطلوب تجهيز الميزانيات والإيرادات لهذه المصروفات المنتظرة، فالجانب التعليمي هو الأهم الذي ينبغي أن ننفق عليه إن أردنا تجهيز الجيل للدولة المنتظرة.

 

5-  رعاية واحتضان المبدعين: من أسس النجاح وحتى لا تبقى العقول الفلسطينية المبدعة تفكر بمغادرة فلسطين وقطاع غزة، بل ومغادرتها، فالمطلوب يتمثل في ضرورة رصد الميزانيات الكبيرة للمبدعين، بل وتلقف أي شخصية فلسطينية مبدعة ومبتكرة ورعايتها. كفى إنفاقا لأموالنا على قضايا تافهة وآن الأوان أن نحتضن المبدعين ونحترمهم، فرعاية هذه الفئة من المجتمع كفيلة بالنهوض به خاصة في المجال الصناعي، وصولا نحو النهوض بصناعتنا وإنتاج مصنوعات للتصدير وتشغيل آلاف الأيدي العاملة.

 

6-  توفير المسكن المناسب: إن هذا العدد المتوقع زيادته في العام 2020 يحتم علينا النظر بتفكير إبداعي نحو توفير شقق سكنية تأوي هذا العدد من الشباب والأطفال، مع ما يلزم ذلك من مرافق ومؤسسات ترفيهية وعامة، فما يكفي في يومنا هذا لن يكفي لتلك الفترة.

 

7-  النظافة والحفاظ على البيئة: تأكيداً أن كل واحد فينا يلمس انعدام النظافة في شوارعنا وتجاهلنا للبيئة الفلسطينية، وهو ما بات ينعكس سلباً علينا وصحتنا العامة، وهذه تصرفات بحاجة لخطوات حكومية نحو البلديات والمؤسسات المختلفة في سبيل وضع الخطط الكفيلة بتحقيق نظافة شوارعنا وأفنيتنا العامة، فنصف مليون شخص يُضافوا لهذا العدد بحاجة إلى معدات وآليات توفر لهم بيئة نظيفة وصالحة لمعيشة الأفراد.

 

8-  تطوير قطاع المواصلات: لا شك أن الجميع يشاهد الازدحامات المرورية في قطاع غزة هذا من جانب، ومن جانب آخر فالكثير من المركبات التي تسير على الطُرق مهترئة جدا وبحالة يُرثى لها، ونحن لا نزال في العام 2013، فكيف سيكون الوضع في العام 2020. إن قطاع غزة بحاجة إلى إيجاد الحلول الكفيلة بالقضاء على كل المركبات غير الصالحة للاستخدام الآدمي هذا من جانب، ومن جانب آخر فالواجب إيجاد طرق تتسع لسيارات غزة بعد عدة أعوام مع ابتكار حلول بديلة لسير وتنقل المواطنين سواء بتأسيس شبكة أنفاق أو تعزيز المواصلات العامة والقطارات الداخلية وتطوير البنية التحتية، وكل ما من شأنه جعل شوارع غزة تستوعب آلاف السيارات التي تتحرك فيها يوميا.

 

9-  الكابونة والقضاء عليها: إن الكثير من الهيئات المحلية والدولية يروقها أن يبقى الشعب الفلسطيني متسولا عبر تلقي المساعدات الغذائية شهريا، وفي المقابل تتحدث تلك المؤسسات عن تقديم الملايين لدعم الفلسطينيين. إن المطلوب رفض تلقي “الغذاء دون العمل المُجدي”، يجب على الجميع تقديم أمواله لابتكار مشاريع صغيرة للمواطنين الفلسطينيين لمواجهة البطالة التي سترتفع بارتفاع عدد السكان، بل ومهمة المسئولين رفض أي جهة تُصر على تقديم هذا النوع من المساعدات، فالشعب الفلسطيني بحاجة للعمل للنهوض بواقعه ووقف كل أشكال التسول التي توفرها الجمعيات والمؤسسات المختلفة بُطرق غير مباشرة من خلال “الكابونة”.

 

تأكيدا، فإن الواقع الفلسطيني يحتم علينا التحرك عاجلا جدا من قبل مختلف الأطراف لتوفير البيئة القادرة على استيعاب نصف مليون شخص في العام 2020م، بل ومن الواجب إدارة الظهر لأي شخص يقلل من خطورة المشكلة والأزمة التي تلوح في الأفق، خاصة وأن مقدماتها باتت تطرق باب غزة هذه الأيام. إن العمل دون تخطيط وعلى مبدأ “البركة” لن يكون مُجديا للخروج من أتون مشاكل متشعبة تكاد تلتهم غزة، فهل يسمع المسئولون كلماتنا؟ أم أن خططهم ستبقى في سياق “استقبل، وودع، وهنأ…”.