1- مدخل.
قلت في حلقة سابقة إن مولانا العظيم سبحانه قد جعل للأقصى منزلة عظيمة في كتابه العزيز، وفي حياة المصطفى وسنته وحياة المسلمين. فجعله قبلتنا الأولى وثالث أعظم مساجدنا عبر الزمان والمكان. ووصفه بالبركة، وجعله في قلب المصحف الشريف ليكون في قلب كل مسلم. فهذه الرمزيات لمن عقل إشارات واضحة إلى مقاصد حكيمة ينبغي تمثلها واستحضارها وتحقيقها.
وقلت إن هذه المنزلة، لأن مولانا يعلم أن المنازلة العظمى والمعركة الحاسمة الكبرى مع هذا العدو الأعتى والألد والأشد، ستكون من حول هذا المسجد؛ فأراد الله أن تزداد منزلته في القلوب لتزداد التضحية في حياطته وحمايته ورعايته. وألا يضيع بالهين، بل تفتديه المهج والقلوب والنفوس والأرواح.
2- لنتعلم من عدونا.
عدونا بلا دين ولا قيم ولا يعرف الله ولا أنبياءه، ولا حق له في فلسطين ولا هيكل كما يزعمون كاذبين.. ومع هذا فإنه صنع من الوهم فكراً واعتقاداً ووعداً وأرضاً موعودة وتاريخاً مصطنعاً وشعارات وأحلاماً.. وأصبحت تحية المجرمين فيما بينهم: لتنسني يميني إذا نسيتك يا أورشليم. وهم لا صلة لهم بها.
فلماذا صاحب الحق لا يستطيع أن يصنع من حقه أنشودة على لسانه وشعاراً وترنيمة وهدهدة للأطفال، وقصة ونبضاً دائماً وحياة ونشاطاً ومسرحة وتعليماً؟
لماذا صاحب الباطل في خداع العالم وصاحب الحق لم ينجح في إقناع هذا العالم؟ لا تقل لي إن العالم منحاز. فكيف صنع عدونا من هذا العالم عالماً منحازاً لباطله؟
هذا صراع إنساني وجهد بشري وتخطيط وتدبير ووسائل وأسباب وسنن وقوانين؛ من أخذ بها غلب وظفر، ومن تقاعس فيها خاب وخسر حتى يتدارك ما فاته ويعوض نقصه ويرمم خَلله وخُلله.
إن قوانين التدافع الحضاري تقتضينا أن نحشد أفضل من عدونا، وأن نجند أحسن منه وأن نعبئ أكمل منه، وأن نشحن أقوى منه وأن نشحذ أمضى منه.
كيف نصنع من قضية الأقصى والمسرى قضية تشغل الرأي العام العربي والإسلامي برمته؟ كيف ننقل شحنة الشعور من قلوبنا المكتوية بنار فراق الأقصى، ونار الخوف عليه من الاستيلاء الثاني أو التحويل أو التهويد أو الهدم والتهديد إلى قلوب المسلمين؟
3- وظلم ذوي القربى..
يعتمد اليهود المحتلون المغتصبون الآن على السلطة في لجم الناس. وهذا يفقد الناس الدافع لأنه أي الإنسان الفلسطيني سيصطدم بالمفترض أنه أخوه وابن عمه وابن بلدته وابن عشيرته. هذه جريمة السلطة أنها فرغت الناس من دافع المقاومة. فقد كان مجرد مرور دورية إسرائيلية يثير حمية الناس فيرجمون الدورية بالحجارة وما تيسر، حتى تخرج مدحورة وتنقلب من حيث جاءت. أما الآن فإن ابن عمك هو الذي يقف في وجهك، وهو أشرس في قمعك من عدوك الأول الظاهر. لقد رباهم جهاز الموساد والقائد الأمريكي كيت دايتون على عينهم وجعلهم حراساً ممتلئين بالحمية لإسرائيل والدفاع عنها حتى الموت.
وفي كل مناسبة يردد عباس: لن نسمح بقيام انتفاضة ثالثة. وآخر بدع عباس أن يا شعب فلسطين إن نتنياهو يخطط لجركم إلى المواجهات لإجهاض حلمكم الفلسطيني بعد أن قامت دولتكم في الحلم، فلا تنجروا! جره الله على وجهه..
تأمل المنطق المقلوب المعكوس الخؤون المنكوس الذي يريد تنفيس ثورة الشعب قبل أن تبدأ، عن طريق جعل من يتحرك في هذه الانتفاضة الجديدة إنما هو مستجيب لمخططات العدو. فتأمل المنطق الإبليسي!
وفعلاً إن ظلم ذوي القربى ممض، بل أشد مضاضة على المرء من وقع السنان المهند والسلاح المهود.
4- العمل الآن أكثر صعوبة.
هل تقوم الانتفاضة الثالثة؟ العالم كله يحبس الأنفاس توقعاً وترقباً.. وانتظاراً لجواب هذا السؤال. وهل تمتد رقعة الربيع العربي إلى أحق البلاد بهذا الربيع العربي أعني فلسطين؟
لقد كانت الانتفاضة الأولى شيئاً مشرفاً مشرقاً بهياً طليعياً رائداً رائعاً عظيماً، وتجلت عطاءات الشعب الفلسطيني وتضحياته وتعاونه وتواصله وتجلت مناطق الـ48 في الدعم اللامحدود لإخوانهم، وتوحدت الضفة مع سائر المناطق في تناغم ربما لم نشهد نظيراً له عبر عشرات السنين. ثم كانت انتفاضة الأقصى إثر زيارة شارون فكانت أكثر تضحيات، وإن كانت إبداعات الأولى وتجلياتها أكثر.
إن أخطر ما في عدونا أنه يتعلم من تجاربه، ولا نتعلم من رصيد تجربتنا. فقام يقطع أوصال الضفة ورام الله والقدس ومناطق 48 ويملأ المناطق بالعملاء والجواسيس، وقسم فلسطين إلى أ،ب،ج وأقام الحاجز العنصري، وسن قوانين شيطانية، وتمدد بمستوطناته كالسرطان واعتقل الآلاف، ونشر ثقافة الاستيئاس والإحباط.. عن طريق الأزلام والأتباع.. كل ذلك تحسباً من هذه الانتفاضة. إن إبداع انتفاضة ثالثة إثر مقتل السجين جرادات ممكن بالطبع وإن كان أصعب من السابقات، وإنما صعّبه وجود السلطة الفلسطينية التي هي أدهى وأمر من إسرائيل وأخطر وأقسى وأشرس، ولكن قيام انتفاضة أمر واجب.
يجب أن يخطط لها أناس ويسهر على ابتكار شعاراتها وخطواتها عقول وأيد وسواعد وجهود وزنود.. وأن ينزل بقية المخلصين من أبناء فتح، وإلا فإنهم شركاء في جريمة التهويد وقتل روح الوطنية في الشعب الذي علم الدنيا كيف تكون الوطنية!
إن الانتفاضة يجب أن تنتقل من الممكن إلى الواجب والواقع «والمفروض» والمنجز المتحقق الذي لا ريب فيه. وليكن الثمن ما يكون. إنه كلما طال الزمن غلا الثمن..
5- التعبئة العامة لأجل الأقصى وفلسطين.
لسنا نملك قراراً حتى نحرك الجيوش ونوجه الصواريخ ونجهز الطائرات والأساطيل لنصرة فلسطين والأقصى. ولكن.. نحن نملك الدواء البديل. إن فاتنا الحل الأول والأمثل والأصيل.
فلنعلن التعبئة العامة على مستوى العالم الإسلامي.. ليكن يوم في الإذاعات والقنوات والجرائد والمجلات للتعريف بمحنة الأقصى وقضية المسرى وقضية فلسطين، ومظلومية شعب فلسطين والتعريف بالحرم الإبراهيمي ومصادرته (لا يتفلسف متفلسف ليجادل في التسمية) وليكن أسبوع في المعاهد العلمية والجامعات والمدارس بعنوان: «أسبوع الأقصى» في طول العالم الإسلامي وعرضه..
وليكن أسبوع ثالث لجمع التبرعات لمساعدة أهل القدس والأقصى أولاً ثم فلسطين ثانياً في مواجهة الاستيطان، وأخطار أتباع الشيطان على الأوطان!
وأسبوع رابع للمسيرات والتظاهرات، ولننس كل المشاحنات والخلافات الفرعية التافهة ولتتوحد الوجهات نحو القبلة الأولى، وبوابة السماء ومجمع الأنبياء.
ونحتاج إلى رمز ديني كالقرضاوي يتولى التعبئة للأقصى وقضيته ونصرته وتنسيق حركة أمته.
والحديث موصول.