مَن مِن الشعوب المعاصرة يقدر أن يتحمل ما يتحمله الشعب الفلسطيني ، فهو أمام احتلال من نوع أخر ، أمام جرثومة سرطانية تنمو بسرعة تلتهم الأرض وتهلك الحرث وتقضي على النسل وتمارس أبشع أنواع الأساليب الفتاكة لتنهي وجود كل ما يسمى فلسطيني ، فالاحتلال الصهيوني الاستعماري جاء ليبقى ويعمر ليبني مجداً على أساطير وخرافات وهمية نسجها من خياله, جاء على حساب شعب وأرض! على حساب تراث وحضارة! على حساب أثار ومقدسات! على حساب مدن وقرى فلسطينية تمارس القتل والنهب والتشريد والاعتقال والأبعاد ولكن هذا الشعب الذي قبل التحدي والصمود وأبى أن يطأطئ الرأس أو يخفض الهامة وتفنن في استخدام الوسائل حتى أضحى معلما للبشرية فأخذت عنه الشعوب التي طالما سكتت عن قهر الطواغيت وظلم الظالمين 'سلاح الانتفاضة' فانتفضت الكتلة الشرقية وبزغ فجر دولها الواحدة تلو الأخرى في بداية التسعينات فكان اللثام والخنجر والمقلاع وزجاج الملتوف وإشعال الإطارات ووضع المتاريس بجانب المسيرات المنددة والمستنكرة والرافضة للظلم والاستبداد عنوان انتفاضتهم وبذلك يكون الشعب الفلسطيني أول من أدخل كلمة (الانتفاضة) في القاموس السياسي والدولي .
وفي تاريخ الشعب الفلسطيني محطات ناصعة البياض يفتخر بها كل فلسطيني لأنها تدل على سر قوته وتمسكه وتجذره بأرضه ووطنه .
- التجذر بأرض الآباء والأجداد داخل الخط الأخضر رغم البطش والقتل الجماعي عام 1948م وارتكاب المجازر الفظيعة من دير ياسين وكفر قاسم وقبية وجنين ... ومع ذلك بقي الفسطيني في أرضه حتى أضحى هما كبيرا يؤرق الاحتلال ويزاحمه في الأرض والعدد .
- رفض كل المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية ابتداء من قرار التقسيم 29/11/1947م مروراً بمشروع التوطين في سيناء عام 1956م وقرار 242 و338ومن ثم مشروع الوطن البديل الأردن ومشاريع السلام مع الاحتلال منذ مدريد إلي أنابوليس .
- رفض التسليم بالأمر الواقع للاحتلال في الضفة والقطاع والتساوق مع مشاريع الاحتلال كإدارة البلديات والإدارات المدنية والحاكم العسكري بل جير الشعب بعض الامتيازات التي كانت تسخر له ليعزز من صموده ويزيد من مقومات تجذره وتمسكه بالأرض .
- الوقوف بكل قوة أمام المخططات الأمنية التي نفذها المعذب شارون ضد المخيمات الفلسطينية في أوائل السبعينات لتهجير سكانها وتقليص أعدادها حيث هدم بيوت كثيرة بحجة توسيع الشوارع وتحسين المجتمعات ومساعدة الأهالي ولكن انقلب السحر على الساحر فتكونت مناطق ليس بأقل من المخيمات أرقاً وكابوساً على الاحتلال مثل أحياء الشيخ رضوان وتل الزعتر والأمل والبرازيل وكندا ويبنا .
- الإبقاء على جذوة المقاومة مشتعلة في صدور الرجال والشبان بل حتى النساء فكانت عمليات المقاومة الوطنية تنفذ بين الحين والحين بل كان المقاوم يتفنن ويبدع بأساليب المقاومة من الخنجر والسكين والقنابل الحارقة والقاتله حتى وصل الأمر إلي خطف الباصات والعمليات الحربية داخل الخط الأخضر أراضي عام 48م ولم يقتصر عمل المقاومة داخل فلسطين بل طارد المحتل خارج فلسطين مثل خطف الطائرات واغتيال الدبلوماسين ورجال الموساد واستهداف التطبيع الصهيوني مع العالم الغربي والعربي .
- تفجير الانتفاضتين الأولى والثانية والتي كانتا مرحلة تحول مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني الذي انتفض على المحتل الغاصب الذي يذله ليل نهار وعلى الصمت العربي الذي كاد أن يقبر قضيته ويصلي عليها صلاة الغائب ، فأعلى صوته وتكلم كلمته بحجارته ومقلاعه وكوفيته ودخل في حرب مفتوحة مع الاحتلال فلا تجد بيت ولا متجر ولا مزرعة ولا مدرسة ولا شجر ولا حجر ولا بشر إلا وانتفض صارخاً في وجه الاحتلال 'لا للاحتلال ' ' نعم للحرية والاستقلال ' لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة واستمرت الانتفاضة وقوي عودها حتى تمنى الاحتلال لو أن غزة يبتلعها البحر لذلك لم يتردد لتكون غزة وأريحا أولا في مخرج مسرحي أعاد للاحتلال ماء وجهه الذي مرغه الشبل الفلسطيني في الوحل ، ولكن قصر نفس أصحاب النفوذ والمصالح والصفقات التجارية مدوا حبل نجاة للاحتلال ليتعلق به لينجوا من نار ولهيب الانتفاضة الأولى ، ولكن سرعان ما انفضح القوم وانكشف المستور عن المؤامرات السرية وحفلات المزايدة حتى ضج الشعب مرة أخر وفجر انتفاضته الثانية التي أذنت برحيل الاحتلال عن غزة من غير رجعة وأصبحت غزة شوكة في حلق قادة العدو وهاجس وبعبع يؤرق مضاجعهم ويسلبهم النوم فأطفأ نور غرف نومهم وأضاء ملاجئهم وسراديبهم .
- تحويل السجون والمعتقلات إلي جامعات ومنارات للعلم والثقافة وثكنات للشحن والتحريض ومراكز للقوة والإعداد والتخطيط فحصل الآلاف من السجناء على شهادة الثانوية العامة والمئات على الشهادة الجامعة الأولى والعشرات من الشهادات العليا رغم القمع والإرهاب الصهيوني المتواصل على السجناء والذي أدى إلي استشهاد أكثر من 170شهيدا .
- الحصار الظالم المفروض على الشعب الفلسطيني منذ الانتخابات التشريعية يناير 2006والذي أزداد شدة وقسوة بعد يونيو 2007 الذي راهن الجميع على إضعاف معنويات الشعب وجعله يكفر بخياره الديمقراطي ويندم على فعله فسجنوه في السجن الكبير وحاربوه بقوته ودوائه وتعيلمه فسقط الشهيد تلو الشهيد من المرضى والذي وصل عددهم حتى كتابة هذا المقال إلى 30 شهيدا معظمهم من مرضي القلب و الفشل الكلوي والمصابين وانتهاء موعد قبول الطلبة وحرمان الكثير من تجديد جوازات سفرهم وإقاماتهم وتأثرت الحركة التجارية سلباً.
ومع هذا كله ما زال الفلسطيني عصياً على الإنكسار شامخاً شموخ الجبال الراسيات ، متحدياً بروح معنوية عالية فتحت أمامها بوابات معبر رفح ليستسلم الجاني ويقر بالأمر الواقع أمام جموع حجاج الرحمن وهم مقبلون يهللون ويكبرون في مشهد تاريخي يسجل بكلمات من نور حيث اختلطت دموع الفرح ودموع الحزن ، دموع الفرحة الآذنة باختراق الحصار وكسر جداره العنصر الظالم ودموع الحزن الذي ثبت بالدليل القاطع إن المعبر مغلق بأيد فلسطينية عربية غير أبهة بمصير هذا الشعب المظلوم المغلوب على أمره .
هذا هو الشعب الفلسطيني صاحب البطولات وإمام الشعوب المقاومة المنتصرة ، ومعلم الشعوب المنتفضة الثورية ، مدرسة في المقاومة ، جامعة في الصبر والتضحية ، صرح في فنون الإبداع والابتكار والتطوير ، عازم على كسر الحصار مصمم على دحر الاحتلال تواق لإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .