لا أعلم لماذا استحضرت كلمات القائد أحمد الجعبري عندما تم الإعلان عن استشهاد الأسير عرفات جرادات, ربما لأنها ليست مجرد كلمات, فهي أقرب إلى أن تكون مخطوطات نادرة نحتها صاحبها على صفحات المجد بمداد أغلى من الذهب, فقد كان المداد الدم وليس أي دم, كانت دماء قائد قلما يتكرر, قائد فعله سبق قوله.
بعد عملية الوهم المتبدد وأسر الجندي الصهيوني الذي تهافتت عليه وعلى أخباره كل أبواق العالم المتناقض, بدت "إسرائيل" بجيشها وموسادها وشاباكها كثور هائج يثأر لكرامته المبددة, فكان القصف والاغتيالات والحصار و"الرصاص المصبوب" هباءً حيث لم يستهدف إلا الأطفال والنساء وبعض المغدورين غدراً, وفي تلك الاثناء كان "دعاة حقوق الإنسان" المزعومون يدعون لمعاملة القاتل شاليط وفق معاهدة جنيف واتفاقيات حقوق الانسان واحترام انسانيته وكأن هذا الجبان قد اختطف من على صدر أمه قبل بلوغه الفطام, متناسين أن المقاومة انتزعته من حضن دبابته.
حتى كانت صفقة وفاء الأحرار التي قادها القائد الفذ العنيد أحمد الجعبري ليتم الإفراج عن 1027 من الأسرى والاسيرات الأبطال في صفعة مرغت أنف "إسرائيل" في وحل رذيلتها, وخلعت عنها ثوب الوحش المخيف ومن يومها تغيرت المعادلة وتحول ذلك الوحش لأرنب طأطأ أذنيه لشروط المقاومة.
فمن كان يدعو لحسن معاملة هذا الكائن الأصفر - الذي لم يُضطر خلال سنوات أسره أن يضرب عن الطعام والوصول لفم الموت كالبطل العيساوي والشراونة وغيرهم الكثير- قد نسي أو بالأحرى تناسى معاناة الآلاف من الأبطال وأصحاب الحق المسجونين ظلماً وعدواناً لأنهم رفضوا أن يشاهدوا شعبهم وأبناءهم وذويهم يقتلون كل يوم على يد أمثال الشاليط المتحصن في آليات الموت, فأصحاب الأفواه المتشدقة بالحق المزعوم قد عميت عيونهم وصمت آذانهم وخرست ألسنتهم عن أساطير الصمود من الأسرى المضربين عن الطعام والذين أوشكوا على ملاقاة ربهم مشتكين له ظلم الظالمين.
اليوم وبعد استشهاد الأسير عرفات جرادات ما زالت قائمة الأسرى المرشحين للاستشهاد في ازدياد لأنهم قوم فضلوا الجوع على الركوع ولم يعطوا الدنية في دينهم ومبادئهم, فالأسير الشهيد عرفات جرادات قد أقام الحجة من جديد على كل المتشدقين بالكلمات المنمقة والمعسولة, ولسان حاله يقول: أروني ماذا أنتم فاعلون!, فهل نرى فعلاً يوازي حجم دمائه الزكية وروحه الطاهرة, أم سيتسلل إلى آذاننا فحيح الكلمات الخجولة المنددة بتعطيل جهود السلام وتهديد سلامة غصن الزيتون من خلال استشهاد أسير من آلاف الأسرى القابضين على جمر الصبر بالرغم من تجاهل المتجاهلين وهروب الهاربين, عذراً أسرانا الشهداء والمنتظرين وما بدلوا تبديلاً, فلا نملك إلا أن نصرخ حسبي الله ونعم الوكيل وشُلَت أيمانهم وشمائلهم أولئك المتخاذلون المختبئون.