لو أنها صورة التقطت من الفضاء لميدان فلسطين (الساحة) وسط مدينة غزة، وعولجت بالتقريب على أمل جلاء ملامحها، لبدت متشحة بالسواد رغم الظهيرة، متلفحة الغبار والأتربة؛ ذلك لأن جموعاً ضخمة من المواطنين احتشدت في هذا المكان للانتقال لمحل سكناها أو الانطلاق لغاياتها المتباينة وسط القطاع وجنوبه.. لا يوجد وقود بالتالي لا يوجد إلا القليل من المركبات التي تقلهم لقضاء مصالحهم، وتزاحم الكل على هذا القليل، ولا تثريب عليهم اليوم، فهنا تبدو عجلة الحياة واضحة المعالم في حياة الفلسطيني، سيارة من المفترض أن حمولتها سبعة ركاب أصبحت قادرة على حمل 10 أشخاص بالإضافة إلى السائق، وبحسبة رياضية نفترض فيها 65كجم معدل لكل شخص يكون الوزن الكلي 715 كجم يضاف إليه وزن أمتعة المسافرين وحاجياتهم، ووزن السيارة نفسها لنجد أنفسنا أمام طن من الكيلوجرامات تقريباً ينهب الطريق ولا يبالي..
فعلاً لا يبالي.. فقبل قليل كانت النزاعات على أشدها بين السائقين والمسافرين على الأجرة، وعدد الركاب، وتوزيعهم، وأولويات الركوب، اشتدت أزمة الصراع وحدتها إلى أن بدأ هذا الطن بالحركة إلى الأمام، وقتها تستكين الأضلاع والنفوس، ولا مانع من الاستماع لآخر الأخبار عبر مذياع السيارة، والنظر لشبه المدينة الماثلة عبر زجاج النافذة ، والحقول تجري وتجري.. مَن ركب السيارة رضي بما قسم له، من ضيق وتكدّس، ومن بقي هناك في الميدان يكابد العزلة سيرضى بما قدر له، من مبيت أو انتظار أطول، ويأتي بعد ذلك كله يوم جديد يحكي هؤلاء لأبنائهم وأحفادهم قصة الصمود تلك..
شهد معبر رفح أرقاماً قياسية أعلى حققتها سيارات الأجرة هناك في عدد المسافرين الذين تقلهم حيث زاد عن 17 شخص في كثير من الحالات، وسجل حاجز المطاحن (أبو هولي) وسط القطاع رقماً فلكياً في عدد العالقين على جانبيه ومبيتهم لأيام وليالي..
لذا ليس غريباً على من تمرس هذه الصعاب أن ينضوي مع طن في كل غدوة أو روحة، ذلك لأن هذا الطن سيمضي ويسير على أربع رغم كل الأراجيف.. ألم أقل لكم: سيأتي يوم نحكي قصة الصمود الفطري الذي جُبل عليه شعبنا حين حاكى الماء ليونة ومرونة، قوامه تمدد مع الظروف قاطبة على اختلاف أشكالها..
فبقي هو..
وحكايات الصمود..

ستجد من يفعل بك هكذا دوماً..
لذا امض قدماً
خالد صافي - غزة