كيف نحمي أقصانا

نشر 24 فبراير 2013 | 07:33

1- مدخل: سأل سائل

 سألني أحد الطلبة في حصة من الحصص، قبل أيام، هل يهدم اليهود الأقصى أم أن الله سيحفظه؟ وأظن أن السائل منطلق من منطلق أن ثمة نبوءة دينية تخبرنا عن قراءة مستقبل هذا المسجد الأسير إن بقاء أو اعتداء.

وهذا النمط من التفكير يحتاج إلى إعادة صياغة، فما ثم نبوءات عن أحداث المستقبل، إلا النادر جداً، ولا أحب أن أتوقف عندها ملياً. فقد مرت بنا تجارب من إسقاطات النصوص على الواقع كانت تحدث إرباكات وتشويشات أكثر مما تحدث من فهم أو يقين أو سعة في الرؤية.

 

وبينت بإيجاز في الجواب، كما أظن، منزلة الأقصى، والخطر المحدق به، وأن هؤلاء الشريرين يتربصون به الدوائر وتكلمت عن الحفريات التي بدأت منذ احتلال الأقصى واستغرقت مساحاته كلها تقريباً، بل وصلت إلى ما بعد مساحاته باتجاه مختلف مناطق القدس.

 

وكيف أن رد الفعل العربي لا يساوي عشر معشار الفعل الإسرائيلي. ولفت نظري وأنا أتابع وجوه الطلاب أن وجه أحدهم أخذ يتلون وبدت علامات الضيق عليه. فقلت: هل أنت متضايق، قال: نعم، فقلت: وهل تحب أن تخرج؟ قال: نعم، فخرج وصفق الباب من خلفه. وقلت: هل منشأ الضيق غرابة أن نتحدث عن الأقصى، أم منشأ الضيق أنه فهم أن شؤوننا الداخلية أهم من هذا الشأن، أم لعله توهم أن في الحديث إلماحاً إلى تقصير في حق الأقصى؟ أم غير هذه من الاحتمالات؟

 

 فقلت في نفسي: إنّا جميعاً مقصرون في شأن الأقصى حتى غدا الحديث عنه غريباً على الأسماع العربية، ومجلبة للضيق عند البعض حتى عدم القدرة على مواصلة السماع مع أنّا نسمع لغو الحديث الساعات الطوال. فكيف ننصر قضية أقصانا؟ كيف نجعله في بؤرة اهتمام كل العرب والمسلمين وكل البيئات والمجتمعات يستوي في ذلك القريب والبعيد؟

 

 أما جواب السؤال، فإن الدين لم يذكر شيئاً عن هذا لكنه ذكر إنّا منتصرون في المعركة القادمة في قوله تعالى: «وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة..» ولكني –من باب الاستئناس- أقول: إن رسم كلمة «الأقصا» بالألف الواقفة لعله إشارة قوية إلى بقائه صامداً واقفاً شامخاً إن شاء الله! أما النصر فقادم لا ريب فيه، ووشيك لا شك في ذلك!

 

2- منزلة الأقصى في هذا الدين

 ليست المسألة كم مرة كرر القرآن ذكر الأقصى. كما سأل الخبيث شامير في محادثات مدريد، سأل حيدر عبد الشافي (شيوعي) وحنان عشراوي (مسيحية) كم مرة ذكر القرآن القدس؟ فما وجد عندهما جواباً. ثم تبجح فقال: إن التوراة ذكرت القدس عشرات المرات. (وذكر رقماً). وللعلم فإن كل شيطان من شياطينهم يذكر رقماً وآخرهم نتنياهو قبل شهور ذكر رقماً مضاعفاً عما قال شامير. وقلت: هذا بحد ذاته دليل على أن التوراة –المحرفة الموجودة- كتاب في الجغرافيا السياسية، وليست كتاباً سماوياً. فلو كانت كتاباً سماوياً لما فصلت قرى الكرك وقرى لبنان وقرى فلسطين، هذا ليس كلام الله، إن منهج القرآن هو المنهج الذي يقطع بيقين أنه كلام الله.

 

أما أن يكرر ذكر القدس مئتي مرة كما زعم نتنياهو، فهذا يقطع بأنها -أعني التوراة- من صنع يد سياسية استعمارية سوداء، وليست من كلام الله.

 

لقد ذكرت مكة التي هي مهد الدين قديماً وحديثاً ومهد التوحيد ومكان البيت العتيق وركن الحج الذي اشتركت فيه الرسالات كلها، ذكرت أربع مرات فحسب! هكذا هو كلام الله.

 

ومحمد أعظم رسل الله، ما ذكر بالاسم إلا أربع مرات فقط! ولم تذكر فلسطين بالاسم هكذا لأن هذا الاسم –عبر التاريخ- قد يطرأ عليه تغيير، ولا يعني عدم ذكره بهذه الصورة قليل أهمية!

 

فدعك إذاً من مرات التكرار، لكن ركز نظرك أن القرآن العظيم والصراط المستقيم وهذا الإسلام الكريم جعلها أي القدس بأقصاها قبلتنا الأولى طيلة مدة 68% من مدة البعثة النبوية الشريفة.

 

وانتبه ثانياً أن مسجدها هو ثاني مسجد وضع لعبادة الله في الأرض. وأنه ثالث الحرمين والمسجدين الكريمين العظيمين: المسجد الحرام والمسجد النبوي في المدينة المنورة. وانتبه رابعاً إلى أنه في قلب المصحف في فاتحة سورة الإسراء في أول الجزء الخامس عشر.

 

وتأمل أن الله عندما ذكر المسجد الحرام اقتصر على اسمه فحسب فقال: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله..»

 

فالمسجد الأقصى تتساوى في الكلمات مع المسجد الحرام، لكن النص زاد في وصف الأقصى: «الذي باركنا حوله..» فوضح أن التركيز على الأقصى وأنه محور الحديث.

ولاحظ أيضاً أن الله جعل الأقصى مكان اجتماع الأنبياء ليؤمهم سيد الأنبياء عليهم جميعاً الصلوات، وجعله أي الأقصى منتهى رحلة الإسراء، ومبتدأ رحلة المعراج وبوابة السماء. ومنتهى رحلة المعراج، ومبتدأ رحلة العودة إلى المسجد الحرام، أليست كل هذه مؤشرات واضحة الدلالات على عظيم منزلة هذا المسجد الكريم؟

 

 ثم إن الله جعله مهاجر إبراهيم ومجاوره ومسكنه، ومنه انطلق إلى جوار البيت الحرام وترك ذريته هناك وعاد إلى جوار الأقصى إذ قال: «ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم..».

وكذلك فإن الله أقسم بفلسطين في سورة التين إذ قال: «والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين» فهذه كلها أماكن وأولها فلسطين!

 

وغير هذا من الإشارات ما هو أبلغ من مجرد ذكر الاسم يا معشر من لا دين لهم ويزعمون أنهم على شيء وأنهم ينطلقون من منطلق ديني ووعد إلهي، ولا صلة لهم لا بدين ولا برب العالمين ولا بالأنبياء ولا بالمرسلين.

وعندما أراد الخليفة الراشد الفاروق فتح بيت المقدس كانت المدينة الوحيدة التي غادر المدينة من أجل فتحها.

وجعلها الناصر صلاح الدين نصب عينه، وجعل تحريرها حلم حياته وأمل وجوده في هذا الوجود حتى تم له تحريرها في يوم ذكرى الإسراء والمعراج. هذا غيض من فيض مما ينبغي أن نحييه في نفوس طلابنا ومجتمعنا في شأن منزلة القدس ودرتها المسجد الأقصى.\

 

3- أخطار محدقة بالأقصى!

لا يخفي المجرمون الصهاينة مخططاتهم ولا يوارون ولا يدارون، ولا يورّون بل يتكلمون بالفصيح الصريح: نريد إزاحة وإزالة المسجد الأقصى وإحلال الهيكل مكانه.

 

وقد وزع الشيخ رائد صلاح في موسم حج قبل سنوات، واجتمعنا به في ذلك الموسم وزع كرّاساً مهرباً من داخل المؤسسة الصهيونية الحاكمة عن مخطط الهيكل وقد أحل في خرائط موقع المسجد الأقصى محل المسجد! وكان يطوف على الوفود: وفد ماليزيا، ووفد أندونيسيا، ووفد باكستان والداغستان..الخ. لا يكل ولا يني ولا يفتر يحذر من الأخطار المحدقة.

والأخطار ليست خطراً واحداً ولكنها سلسلة متكاملة ممنهجة مدروسة، وليست وليدة هذه الأيام بل هي قديمة قدم الكيان بل قبل أن يقوم الكيان وقبل أن يكون كيان لبني الشيطان. وهم يخططون لإقامة هيكلهم المكذوب المزعوم، فما من هيكل أصلاً، وإنما يروج المجرمون وهماً ويحسنون تسويقه حتى يظنه المغفلون حقيقة، وكذلك في كل قضية يفعلون، وحديث الأقصى موصول.