دعوة للفساد

نشر 03 ديسمبر 2007 | 04:30

لقد اقتضت سنة الله في عبادة أن تقوم الأسس والمبادئ والحقوق على أعمدة متينة تنبت من رحم المعاناة ومن ري دماء المعتنقين لهذه الحقوق والمبادئ، ولولا سيلان الدم لما تشكلت امبراطوريات، ولا قامت دول وحضارات، وليست هذه دعوة إلى الحرب السرمدية، لكنها سنة إلهية، وناموس كوني، شاء من شاء، وأبى من أبى، فلقد قال الله تعالى في سورة البقرة: 'وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ' وقال: 'ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ' وهو قانون العدل من رب عادل سبحانه وتعالى هو أعلم بعباده: 'ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير'..

وهذا الحديث يقودنا-بمفهوم المخالفة- إلى أن أي دعوة لفرض أجندة أو ثوابت على الآخر -أيا كان- بهدوء وسلام هي مخالفة لكل نواميس وسنن الكون وهي ببساطة دعوة للفساد في الأرض فلقد قال الله: 'لفسدت الأرض'، وأرشدنا إلى سنة التدافع الكونية فقال: 'ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا'، وهذا يعني أن فرض الحلول السلمية على الناس هو محض دعوة للفساد في الأرض على حساب الحقوق والمقدسات، لأن الركون إلى النوم مع الاعتلال يؤدي إلى تراكم العلل التي ستؤدي إلى الموت المحتوم! وهو ما ينطبق على رئيس نفسه في أنابوليس إذ يستجدي إقامة دولة فلسطينية دون جهاد أو مقاومة بل يدعو إلى حرب المقاومة ويصفها بالإرهاب، ويعتبر أن المخرج الوحيد للقضية هو الحل السلمي، مستعينا بعبارات رقيقة كأرض السلام والمحبة، ومهد الأنبياء، وموظفّاً آيات الله بشكل فاسق عن الصواب منصّباً نفسه مشرِّعاً لثقافة السلام حين يستدل بقول الله تعالى: 'وإن جنحوا للسلم فاجنح لها' وكأن أولمرت سلّمه مفاتيح القدس وقرر الإقامة في كندا! - حسب تفسيره للآية!- قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة: ‏'قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر‏...'، ولقد نسي 'الشيخ عباس' أن يذكر الآية السابقة لها ليكمل المعنى الذي لا يريد أن يفهمه وهي: 'وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ'، ولو أردت -يا عباس- أن لا تأخذ بقول ابن عباس ومجاهد فهلاّ أخذت بكل آيات القرآن بما فيها قتال اليهود والكفار والمشركين التي ذكرت في مواضع كثيرة، وهلاّ – مادمت متمشيخاً إلى هذا الحد-  آمنت بالآية التي تسبق استدلالك والتي تحض المسلمين على إعداد العدة الدائمة للقاء العدو، ومن ثم جاء ذكر آية الجنوح إن جنح أولمرت، والحمد لله رب العالمين فلم يزد أولمرت بعد أنابوليس إلا جنوحا إلى الحرب، ولقد جنحت وحدك يارئيس نفسك! 'قل أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض'.

بالطبع لن تنطلي على الأمة الإسلامية ثقافة السلام التي تتقوقع يوماً بعد الآخر في نفوس شرذمة ممن عشقوا 'الانبطاح' وأعلنوا عقيدة السلامة والحل السلمي منذ عام 1967م، فالأمة حيّة ولودة، ولن تستطيع كل قوانين الأرض وجيوشها أن تبدل سنة الله في كونه ومهما فعلوا، فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجـد لسنة الله تحويلا، ونحن إذ نرفض السلام ليس لأنا نعشق شرب الدم، ولكن لأن ثقافة السلام تعني فرض الاسترخاء التام بين الناس، ودفعهم إلى التمتع بالمتع الحسية غير المشروعة، وبث شعور عام: أنه لا يوجد ما يستحق أن يضحي الإنسان من أجله بماله ونفسه، وهي بمثابة دعوة لأن يسود الفساد في الأرض وأن يبلغ التسامح بين البشر حد نبذ العقيدة وبهذا تصبح استباحة المسجد الأقصى لا تؤثر على المسلمين المخدرين بإبر السلام، ولا يكون للأرض المقدسة التي بارك الله فيها أي حرمة وأي قيمة، و يسمح بوطن قومي عليها لمن شبههم الله بالحمير: 'مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً...'

ورغم الدعوات الكثيرة من قبل العرب إلى التصالح مع إسرائيل التي تعتبر الجهاز التنفيذي للحركة الصهيونية العالمية حيث زرعت هذه الدولة في قلب الأمة في غفلة منها لتكون عامل تشرذم لها، وتنفيذا للخطط الاستعمارية الكبرى، إلا أن السياسات الأمريكية والصهيونية تنبئ بغير معنى الصلح الذي ورد في أنابوليس، فالكيد مستمر، والاستعدادات العسكرية مستمرة،  فأمريكا تحضر مخروناً ضخماً من السلاح في 'إسرائيل'، وإسرائيل تشن بين الحين والآخر حروباً وقائية سواء على القطاع أو الضفة أو الدول المجاورة التي لم ولن تسلم من هذه الحروب ولو بعد حين..

يقول الدكتور فوزي محمد طايل -رحمه الله- وهو أحد المفكرين الاستراتيجيين: (تعتنق إسرائيل مبدأ 'دفع الحدود إلى الأمام'، وذلك استناداً إلى 'معيار القوة المتقدمة' The advanced power ومفاده أن القوة التى لا تتقدم فلابد أن تتقهقر، وأن الدولة التى لا تنمو من كل النواحي 'بشريا وجغرافيا وعسكريا' تنهار تدريجيا، لهذا فهي تخـوض جولة كل عقد من الزمان، وتصاحب هذه الجـولة عملية طرد تدريجي للسكان، واستيلاء على الأراضي، انطلاقا من فكرة أن أرض ' إسرائيل الكبرى ' لابد من أن تخلص لليهود وحدهم، فهي لا تتسع لحضارتين أو لعقيدتين دينيتين، لا يمكن قيام تصالح بينهما - كـالإسلام واليهودية- وأن حل هذه المشكلة لا يكون إلا بالوسائل العسكرية على حـد تعبير يوسف أولمرت '، ويقول: 'إن المبرر الوحيد لقيام دولة إسرائيل، ولدعوة المهاجرين إلى الهجرة إليها، بل والمبرر الوحيد للفكرة الصهيونية ذاتها، هو إقامة ' إسرائيل الكبرى ' من النيل إلى الفرات، وبناء ' الهيكل ' الذي لا يتصورون إقامته إلا على أنقاض المسجد الأقصى ،وهذه أمور تستدعى بالضرورة استخدام القوة المسلحة كلما سنحت الفرصة)!

ويؤيد هذا الكلام الوقائع اليومية على الأرض ومحاولة 'إسرائيل' استنزاف الفلسطينيين بشكل دائم بالاجتياحات والاعتقالات حتى في ظل اتفاقيات السلام الهزيلة، فمتى توقفت 'إسرائيل' عن ملاحقة الفلسطينيين، وهل توقف القتل والمجازر أثناء الاجتماعات الحميمية، والاتفاقات الدورية!!

ورغم أن دولة المسخ الإسرائيلية تعتبر دولة علمانية رأسمالية إلا أنها تتمسك بما تقول عنه ديناً وهو زعم باطل لا أساس له من التاريخ، والحفريات المستمرة تحت المسجد الأقصى المبارك لم تكشف عن دليل واحد لهيكل سليمان المزعوم، فهل يتعظ العلمانيون العرب و الفلسطينيون الذي برعوا في التنازلات ومسخوها إلى ثقافة! وجعلوا منها أخلاقاً مضادة! ووظفوا لها الدين لماّ رأوا ضعف موقفهم – كما فعل عباس في أنابوليس- لكن لا أسف على من باع ضميره ووقف ندّا لشعبه وقضيته..

إسرائيل على استعداد دائم مستمر، وهي الدولة التي تمتلك أحدث التكنولوجيا العسكرية، وقد وافتنا تقارير جديدة بأنها تستعد لإجراء حرب استباقية على دولة من دول الجوار حيث تعمل على تحصين جبهة الجولان تمهيداً لشن حرب جديدة! و العربنجية يساقون كالنعاج إلى أنابوليس فسحقاً لعقيدة القومية!

ورغم كل التلميع الذي حاول 'أولاد أنابوليس' تمريره على شعبنا، إلا أن أولمرت صفعهم جميعاً بعد عودته إلى 'إسرائيل' صفعة جديدة حيث كرر لاءاته، وبيّن لشعبه أن الحفلة انتهت على خير! فمتى يفهم العرب أن الكيان الصهيوني كيان معادٍ، وأنه لا يفهم إلا لغة القوة..! متى!

لن نركع لمبدأ الفساد في الأرض الذي يشرّع له 'الشيخ' أبومازن وحلفائه من الخونة! وسيظل المجاهدون شوكة في حلوق كل من سيق إلى أنابوليس، ولتخسأ كل الأصوات الناعقة بمهزلة السلام، وليعلو صوت الحق والقوة والحرية، صوت الشيخ رائد صلاح في أرض الخلافة العثمانية: لن ننام بعد اليوم، وصوت أبو العبد هنية في الأرض المباركة: لن نعترف بإسرائيل، وعلى 'نعاج' أنابوليس أن يبقوا في سكرتهم يعمهون..