غارات اسرائيل استهدفت الثوار لا نظام الأسد

نشر 04 فبراير 2013 | 05:24

 

سؤالان رئيسان يطرحان نفسيهما على هامش الغارة الإسرائيلية على أهداف سورية:

 

الأول: ما هي الأهداف التي هاجمتها الطائرات الإسرائيلية..؟

 

الثاني: ما هي الأسباب والحسابات التي تقف وراء قرار شن الغارات الإسرائيلية..؟

 

ابتداء لا بد من ملاحظة أمرين بالغي الأهمية:

 

الأول: الصمت الإسرائيلي المطبق على الغارات، وعدم صدور أي بيان أو تصريح اسرائيلي بالخصوص.

 

الثاني: تحول دمشق عن لغة الصمت ثم النفي، إلى الإفراج عن معلومات جزئية، مرفقة بمزاعم أن اسرائيل دخلت على خط دعم الثورة الشعبية بشكل مباشر، وهي مزاعم تتساوق مع مزاعم الحرب الكونية المكذوبة على النظام..!

 

 الأهداف التي هاجمتها اسرائيل:

 

هنالك أكثر من رواية نميل إلى تصديق الروايتين الأميركية واللبنانية منها.

 

الرواية الأردنية:

وقد كانت الأولى التي وجدت طريقها إلى وسائل الإعلام، وكشفت وقوع الغارة الإسرائيلية فجر الإربعاء "على مواقع سورية يشتبه بوجود اسلحة كيماوية فيها".

 

يذكر أن الأراضي الأردنية كانت مركزا لمناورات غربية حملت إسم "الأسد المتأهب"، مهمتها التدرب على السيطرة على الأسلحة الكيماوية السورية فور سقوط نظام الأسد، خشية سقوطها في أيدي المعارضة الإسلامية. وتسربت معلومات أكثر من مرة عن وجود وحدات عسكرية بريطانية واميركية على وجه الخصوص داخل الأراضي الأردنية لهذه الغاية.

 

الرواية الأميركية:

أعلن وزير الدفاع الأميركي، ليون بانيتا، أن مخاوف الولايات المتحدة تتزايد من احتمال أن تؤدي "الفوضى" في سوريا إلى تمكين حزب الله الشيعي اللبناني من الحصول على أسلحة من نظام الرئيس بشار الأسد.

 

وأعلن مسؤول اميركي، أن الغارة الإسرائيلية أصابت صواريخ ومجمعاً عسكرياً قرب دمشق. وذكر هذا المسؤول، رافضاً كشف هويته، أن المقاتلات الإسرائيلية لم تستهدف سوى موقع واحد في ضاحية دمشق، في حين تحدثت بعض وسائل الإعلام عن استهداف موقعين: مجمع عسكري قرب العاصمة السورية، وقافلة تقل أسلحة قرب الحدود اللبنانية، من ضمنها "صواريخ أرض-جو" روسية الصنع من طراز "أس أيه 17" كانت موضوعة "على آليات"، إضافة إلى مجموعة من المباني العسكرية المتجاورة والتي يشتبه بأنها تحوي أسلحة كيماوية.

 

الرواية السورية:

قال النظام السوري أن الطيران الإسرائيلي قصف فجر الإربعاء، مركزاً عسكرياً للبحوث في ريف دمشق، في حين تحدثت مصادر أمنية عن غارة استهدفت ليل الثلاثاء/الأربعاء قافلة كانت تنقل أسلحة قرب الحدود اللبنانية.

 

وقال بيان وزعته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) في التاسعة من مساء الإربعاء "تسللت طائرات اسرائيلية الى المجال الجوي السوري مع الفجر وضربت معهد بحوث علمية في منطقة جمارية شمال غرب دمشق. وحسب الجيش السوري، فان هذا معهد بحوث غايته رفع مستوى الدفاع الذاتي".

 

ونفي البيان تزويد سوريا لحزب الله بالسلاح.

 

الرواية اللبنانية:

ذكرت وكالة الانباء اللبنانية أن طائرات حربية اسرائيلية اخترقت الحدود منذ ساعات ما بعد عصر الثلاثاء، وغادرتها عند الساعة العاشرة مساء، فيما قالت انباء اخرى ان سلاح الجو الاسرائيلي نفذ عدة طلعات فجر وصباح اليوم الإربعاء كان اخرها الساعة السابعة وخمسين دقيقة صباحا، مشيرة الى ان سلاح الجو اللبناني زاد من كثافة طلعاته بالقرب من الحدود.

 

وقال لبنان إن طائرات حربية اسرائيلية حلقت فوق أراضيه بكثافة طوال ليل الثلاثاء.

 

وقال بيان للجيش اللبناني أن أربع طائرات حربية اسرائيلية خرقت المجال الجوي اللبناني عند الساعة 16.30 (14.30 بتوقيت جرينتش) يوم الثلاثاء. وبعد أربع ساعات خرقت طائرات مماثلة الأجواء اللبنانية فوق بلدة الناقورة في الجنوب ونفذت طيرانا دائريا فوق مختلف المناطق اللبنانية ثم غادرت فجر يوم الإربعاء عند الساعة الثانية. ومن الساعة الثانية فجرا قامت مجموعة ثالثة بمهمة التحليق فوق الاراضي اللبنانية حتى الساعة 7.55 صباحا.

 

الموقف الإسرائيلي

قبل ذلك، كان سيلفان شالوم، نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي يوم الاحد إن أي علامة على تراخي قبضة سوريا على "اسلحتها الكيماوية" خلال قتالها المعارضين المسلحين الذين يحاولون الإطاحة بحكم الرئيس السوري بشار الأسد يمكن أن تؤدي إلى ضربات عسكرية اسرائيلية.

 

ومن يتفحص ما نشرته الصحافة الإسرائيلية في اليوم التالي للغارات، يلفت نظره:

 

أولا: عدم إيراد أي رواية اسرائيلية عما جرى، والإعتماد على روايات غير اسرائيلية بالخصوص.

 

ثانيا: تحديد الأسباب التي أدت إلى شن هذه الغارات فيما يلي:

 

1.         الخشية من وقوع الأسلحة السورية التقليدية المتطورة في أيدي قوات المعارضة السورية، أو في أيدي حزب الله الحليف الإستراتيجي للنظام السوري، بما من شأنه تحطيم التوازن بين حزب الله واسرائيل. وصرح رئيس الموساد الأسبق داني ياتوم لصوت الجيش الإسرائيلي: "اذا كان هجوم، فان السبب هو انه تم اجتياز خطوط حمراء. لقد أوضحت اسرائيل ما هي خطوطها الحمراء، ولا يمكن تحديد خطوط حمراء دون الحفاظ عليها".

 

وكلا الإحتمالين يعنيان ازدياد قناعة اسرائيل بقرب سقوط نظام الأسد.

 

2.         أن الغارات الإسرائيلية استهدفت اساسا قافلة شاحنات أقلت صواريخ مضادة للطائرات بين بلدة الزبداني السورية وقرية نبشيت في لبنان. وأن "الصواريخ التي اخفيت في الشاحنات هي صواريخ روسية دقيقة من طراز SA17. وهذه صواريخ ذات حراك وتشغيل سهل نسبيا، وهي قادرة على مفاجأة الطائرات والتأثير على حرية عمل اسرائيل خلف الحدود. كما أن الصواريخ هي ذات قدرة على اصابة طائرات قتالية، بما في ذلك الطائرات ذات الطيران المنخفض".

 

3.         أي أن نظام الأسد بدأ بتزويد حزب الله بترسانة صواريخ أكثر تطورا من التي يملكها، استعدادا لضرب اسرائيل في حال سقوط النظام.

 

ويلخص مقال نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية الخميس الرؤية لمصير نظام الأسد بأن "التقديرات الواعية للإيرانيين واللبنانيين هي أن مصير الأسد حسم، ولكنهم يتطلعون الى تلطيف وتأجيل شدة الضربة كي يصلوا الى الوضع الجديد وهم على استعداد اكبر".

 

ويمكن الإستخلاص من ذلك أن طهران قررت تدعيم القوة العسكرية لحزب الله أكثر فأكثر قبل سقوط النظام السوري.

 

ويخلص مقال في صحيفة "اسرائيل اليوم" نشر الخميس أيضا، إلى أنه "اذا عمل الاسد ضد اسرائيل فإنه سيسقط. واذا لم يعمل – سيسقط أيضا، ولكن فقط في تاريخ لاحق". ويقول كاتب المقال "الأسد على أي حال، سيفضل الخيار الثاني".

 

خلاصة كل ما سبق هي:

 

أولا: إن دمشق، مدفوعة من قبل الحليف الإيراني قررت تعظيم مخزون حزب الله من الأسلحة المتطورة استعدادا لمرحلة ما بعد نظام الأسد..!

 

ثانيا: أن هدف الغارات الإسرائيلية على أهداف داخل سوريا، ليس تعزيز موقف المعارضة السورية، وإنما الخشية من وقوع اسلحة النظام السوري بيد هذه المعارضة، على نحو يجعلها أسلحة مفعلة ضد اسرائيل، منهية بذلك حالة بيات شتوي طال أمده.

 

ثالثا: أن اسرائيل يمكن أن تتعايش مع وجود هذه الأسلحة بيد نظام الأسد، لكنها لا تستطيع ذلك في حال انتقالها إلى أيدي ثوار سوريا..!

 

رابعا: أن اسرائيل تفضل أن يطول عمر نظام الأسد، وأن ينتصر على ثورة الشعب السوري.

 

ونختم بسؤال: لم ظل النظام السوري ممسكا بالأسلحة والصواريخ الأكثر تقدما وتطورا، حاجبا اياها عن حزب الله كل هذا الوقت..؟

 

ولم قرر فجأة أن يحيلها لقوات الحزب فقط مع استشعاره قرب دنو أجله..؟

 

السؤالان يعيداننا إلى حرب الثمان سنوات بين العراق وإيران، حين كانت طهران تهدد كلما تراجعت كفتها في الحرب، بإغلاق مضيق هرمز ووقف صادرات النفط الخليجي إلى اميركا وأوروبا..!

 

ايران التي كانت تتهم في حينه، وحليفها النظام السوري، الرئيس الشهيد صدام حسين بالعمالة لأميركا، كانت تتصرف على قاعدة أن حربها مع العراق تخدم المصالح الأميركية والأوروبية، ولذلك فإن على هذه الأطراف أن تحول دون هزيمتها، وإلا قطعت عنها نفط الخليج العربي..!

 

نظام الأسد، الذي وفر أمنا وهدوءا دائما على جبهته مع اسرائيل منذ 1973، وقام اساسا سنة 1970 على قاعدة رفض فكرة المقاومة الشعبية والكفاح المسلح، كما تؤكد ذلك أدبيات الخلاف بين حافظ الأسد وصلاح جديد، وأركان النظام البعثي السابق الدكتور نور الدين الأتاسي رئيس الدولة، والدكتور يوسف زعين رئيس الوزراء، والدكتور ابراهيم ماخوس وزير الخارجية، حيث انحصر الخلاف بين الجانبين في نقطتين رئيستين:

 

الأولى: رفض حافظ الأسد للكفاع المسلح، والعمل على تحويل فصائل المقاومة الفلسطينية إلى مجرد أوراق تفاوضية في يده، مع واشنطن وتل أبيب، بالضد من التيار الآخر الذي كان قادته شديدوا الإيمان بالكفاح المسلح الذي سبق لهم خوضه فعلا في صفوف ثورة التحرير الجزائرية..!

 

 

الثانية: رفض حافظ الأسد للإشتراكية التي آمن الطرف الآخر بنسخة أكثر جذرية منها.

 

نظام بشار الأسد قرر إذا تسليح حزب الله بما سبق له أن حرمه منه طوال سنوات وسنوات، مع اقتراب أجله، طالما أن اسرائيل ترتكب ذات الخطأ الأميركي خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية، وذلك ليس فقط استمرارا لقتاله إلى جانب ايران ضد عراق صدام حسين، وإنما كذلك عملا بنظرية رامي مخلوف (إبن خال الرئيس) الذي سبق له تهديد اسرائيل بأنها لن تكون آمنة طالما أن سورية (النظام) غير آمن..!

 

لقد كان نظام حافظ الأسد جزءا من النظرية السياسية الإيرانية، حيث أنه لم يوفر جهدا يمكنه دعم إيران في حربها على العراق، إلا وارتكبه.

 

أما بشار الأسد فقد ارتكب خطأ فادحا.. ذلك أنه لم يدرك بعد أن العقيدة العسكرية للجيش الإسرائيلي، لا تزال تقوم على نظرية الردع والإنتقام، التي ابتدعها "الملازم آرئيل شارون" في مطلع حياته، ومطلع قيام الدولة العبرية.. وظلت ثابتا من ثوابت العقيدة العسكرية للجيش الإسرائيلي حتى الآن.

 

تسليح حزب الله بما كان محظورا عليه، لا يؤدي إلى تدخل اسرائيل واميركا لحماية نظام الأسد من شعبه، كما أوهم نفسه، وإنما تقوم على توجيه ضربات قاسية لمن يفكر بتـشكيل خطر على أمن اسرائيل..!

 

وهذا ما حدث..

 

أما خدمات النظام لإسرائيل، وقد نعددها في مقال لاحق، فهي يجب أن تظل مجانية، لوجه اسرائيل ورب اسرائيل..!!

 

للتذكير كان بشار الأسد لوح في خطابه الأخير بأنه يجب على الدول التي تدعم ثوار الشعب السوري أن تكف عن ذلك، ضمن حل الإذعان الذي تبناه ذلك الخطاب.. وها هو يدفع الآن ثمن اخطاء ذلك الخطاب..!