الثورة العراقية/ 3

نشر 04 فبراير 2013 | 04:29

 

1- القراءة الانتقائية للتاريخ والأحداث

يحلو للشيعة أن يقرؤوا التاريخ كما يشاؤون، فيمجدوا ما يشاؤون، ويحقروا ما يشاؤون، ويشيطنوا من يشاؤون، ويرفعوا إلى مصاف العظماء من يشاؤون، وهم أحرار فيما يفعلون لو لم يكن الأمر متعلقاً بالآخرين، فالحياة هكذا هي، شبكة مشتجرة من العلاقات والتضاربات في النظرات والمواقف والتهيؤات. فقد قضى صدام فترة حكمه في قلاقل وبلبلة هم والأكراد (القيادات) سببها، وجرت شيطنة شخص هذا الشخص وعهده وحكمه، وضخت في ذلك مليارات على مستوى عالمي ومحلي وإقليمي، وأسهمت في ذلك بشكل سافر واضح إيران. ثم حصدت ثمن ما تآمرت على ذلك العهد بأن وضعت يدها على العراق، فهل تحسنت أحوال العراق؟ يجيبون: بالطبع، فأين كنا وأين أصبحنا؟ إن الفارق لا يقاس بالسنوات العادية، بل بالسنوات الضوئية بين ما كان وبين ما هو كائن الآن. فهناك صناديق الاقتراع وهناك الأحزاب وهناك الديموقراطية والتعددية، إلى آخر المسلسل الممجوج السمج المكذوب.

 

إن التكلم بلا مقاييس مغالطة كبرى، فبهذه الطريقة يستطيع أي أحد أن يقول أي كلام، ويقول من شاء ما شاء! لكن فلنتفق على مقاييس علمية منهجية موضوعية لنقيس هل الأمور الآن أحسن أم ألعن وأسوأ وأضل وأرذل؟

 

أما الديمقراطية التي يزعمون فأكذوبة كبرى برعت أمريكا في تسويقها في البلدان التي تحتلها وتستعمرها كالعراق وأفغانستان، وهي ذاتها الديمقراطية التي كانت ترعاها أمريكا زمن مبارك ومن هم على شاكلته في البلدان العربية كاليمن وغيرها!

وحكاية الصناديق والأحزاب، فالعالم العربي كله باتت فيه هذه اللعبة مكشوفة إلى حد الفضيحة والاحتراق، فلا أحزاب ولا صناديق، وقد فاز علاوي في الانتخابات الأخيرة ولم يقبل المالكي بالنتيجة فأخذ رئاسة الوزراء؛ لأن أمريكا وإيران متفقتان على المالكي، لا لأنه الأصلح، بل لأنه الأسوأ للعراق، والأحسن لهما، فأين لعبة الصناديق والاقتراع والانتخاب والتصويت؟!

 

وهل الفساد الآن قل في العراق أم ازداد؟ فهذا مقياس مهم في معرفة أي العهدين أسوأ أم أحسن، والحق أن الفساد زاد حتى عم البلاد والعباد وزكمت رائحته الأنوف.

 

ودور العراق واستقلال العراق تراجع أم تقدم؟ هذا مؤشر آخر وواضح الجواب على أن العراق جرى تقسيمه وتفتيته، وإلحاقه بكل من أمريكا من خلال بريمر في السنوات الأولى، ثم الحكام الأخفياء الأشقياء.

 

ولا نريد أن نسترسل في المقاييس، فإن الطائفية قتلت العراق وقزمته وحجمته ومزقته، والمالكي غير مؤهل أخلاقياً أن يدير العراق؛ فالرجل صنيعة الخارج الإيراني والأمريكي يعمل لصالحهما ولا يعمل للعراق، والمذهب بالنسبة له عامل تحشيد وتخريب، والإ فإنه لا يدور إلا حول نفسه، لقد تضخمت ذاته فصارت أكبر من العراق والمذهب، فلا يعمل إلا لها.

في سياق هذه الاختلالات والاعتلالات واللاأخلاقية المالكية المتلفعة بالمذهب، قامت ثورة العراق.

 

2- الاستحواذ الشيعي

شخص الملالي والآيات الوضع في العراق كما يشاؤون، وأنه كان حكم السنة، وهم كاذبون، فعملوا ليل نهار لا للتغيير نحو الأحسن نحو دولة القانون والمؤسسات والمواطنة والعدل والرعاية الاجتماعية، لا بل قاموا ينتقمون في تعبئة وتجييش جاهليين عصبيين، فاستحوذوا على كل شيء، وبدؤوا بأكل شركائهم من السنة في الحكم.؛عن طريق توجيه التهم الجزاف الكاذبة. وصبر أهل السنة عقداً كاملاً على هذا الاستحواذ الظالم الفاجر، وعلى الاستعمار الإيراني الأمريكي لهذا البلد العظيم، ثم ما لبث أن انفجر البركان.

قام أهل السنة معبرين عن مظالم واقعة على العراق الأرض والقطر والعراق الشعب، وعلى الخصوص: التمييز ضد أهل السنة، فالأكراد أخذوا حقهم وزيادة! والشيعة أخذوا حقهم وزيادة، والخاسر الوحيد أهل السنة، وكررت أن هذه اللغة لا أحبذها، لكن دفن الرؤوس غير مجد، والغياب عن الواقع والوقائع غير مغن.

 

ثم كانت الداهية الأكبر التي فضحت التآمر أن العراق تحول إلى خنجر في ظهر الشعب العربي؛ من خلال تصدير المقاتلين الطائفيين لتدمير سوريا، وإمداد النظام الفئوي البغيض بالسلاح والرجال والدعم اللوجستي. لقد كان الشيعة زمن البعث مستحوذين على قيادة الحزب، والآن همشوا أهل السنة، واستحوذوا على النفوذ والقوة والسيادة والمرافق والأرض والحكم والوزارات والجيش والأمن، كل ذلك بدعوى كاذبة أن السنة حكموا العراق زمن صدام واستحوذوا على السلطة. وحتى لو سلمنا جدلاً -وهو غير مسلم- فالمفروض ألا يكون العهد الجديد إعادة الإنتاج للعهد القديم، وتدوير المظالم، ونقل النفوذ والسيطرة من يد فئة إلى يد فئة أخرى، هذا إن سلمنا كما قلنا، فما بالك والأمر كله مغالطة.

 

لا يجوز أن يحكم أحد البلد لمجرد أن الطائفة أو المذهب أفرزاه، هذا هو المالكي، كل مؤهلاته بعد المكر والكذب: اللعب بالورقة الطائفية!

 

ولا يفجر الثورات مثلا استحواذ فئة على مقدرات الشعب وثروات البلاد والسلطات والقوة فيها، هذا محرض ومحرك وباعث قوي على الثورة.

 

ولن يسكت عن الضيم أسود العراق، أفتظنون أنكم أنتم وأسيادكم الفرس والأمريكان قد دجنتم أسود العراق؟ خسئتم وخاب ظنكم.

3- موقف مقتدى الصدر

مقتدى يحاول تقمص شخصية نصر الله دون مؤهلات من ثقافة وذكاء وحضور، وهو مثال على التقلب والتلون والانتقال من حال إلى حال، ومن موقف إلى موقف، ومن تحالف إلى تحالف، ومرة في حجر إيران، ومرة يتمرد عليها، وهل تعلمون أنه كان في زمن صدام يسمى طفل صدام المدلل، وهو الذي باشر إعدام صدام؛ وفاء للإكرام!

 

وهل تعلمون أن والده كان يسمى آية الله الصدر صدام حسين؛ لأنه هو الذي جعله آية، وأن الذي قتل الصدر والد مقتدى هو إيران؟ وقتلته لقربه من صدام، ولأنه محسوب عليه ثم اتهموا به صدام؛ ليحرضوا على الثورة، ومن قتل باقر الحكيم؟ إنه إيران أيضاً؛ لأن المذكور فتح قنوات اتصال خاصة به مع الأمريكان، وإيران تريد هذه القنوات مع أمريكا، لكن من خلالها هي، فتخلصت منه، واتهمت بقتله البعث وفلول نظام صدام والسلفيين، وضربت عصافير بحجر.

 

ومن الذي قتل الخوئي قتلة شنيعة مع التمثيل؟ إنه جماعة الحكيم، إن بينهم من العنف ما لا عين رأت.

نعود إلى موضوعنا، لماذا يقف مقتدى في الظاهر مع أهل السنة؟ أولاً: ليظهر أن تحركهم -أي الشيعة وجماعة مقتدى- ليس من منطلق طائفي، وهذا قمة الخداع والكذب.

 

وثانياً: لعميق الخلاقات بين المالكي والصدر، لكنهم تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، لا يجتمعون إلا على كره المسلمين الصادقين. وبعض الناس عندنا هنا كان يوزع أولاده على الجبهات، فولد في الشعبية، وآخر مع فتح، وثالث مع الديمقراطية، ورابع في الجيش! وهذا مقتدى الصدر فإن ربح أهل الأنبار وباقي المحافظات الجولة قالوا ألم نكن معكم؟

 

ولكنه في ذات الوقت صرح تصريحاً من شأنه أن يحفظ خط الرجعة مع المالكي؛ إذ قال كلاماً قريباً من كلام المالكي عن مطالب المتظاهرين، إذ قال عنها إنها مقبولة شريطة ألا تكون خارج الدستور، أو متعارضة مع الدستور (وهذا كلام كاوتشوك مطاط، فدستور بريمر لا نعرف كيف يفسره أتباع بريمر) وشريطة ألا تكون لها صبغة طائفية (وهم الغارقون في مستنقع الطائفية النتن) وشريطة ألا يكون هدفها إعادة العراق إلى الحكم البائد (الذي هو على علاته أشرف منهم بما لا يُقاس!) فموقفه فيما أرى ليس إلا توزيع أدوار وتوزيع البيض على عدة سلال، وتتويه البوصلة.

لكن الشعب العراقي عرف طريقه، ولن تضل بوصلته، وللحديث بقية.