تقسيم المُقسّم

نشر 20 يناير 2013 | 04:27

 

التقسيم، أو التجزئة فكرة رديئة ولكنها تهدد الوطن العربي المقسم أصلاً إلى دول قطرية بحسب اتفاقية سايكس بيكو الاستعمارية, العراق دولة قطرية يتهددها التقسيم الطائفي والعرقي إلى ثلاث دويلات متخاصمة. العراق بعد صدام، وبعد الاحتلال الأمريكي خرج منهكاً ومهدما، ولم يستطع بناء نظام ديمقراطي مستقر ومتعاون. الدستور الذي قسم العراق إلى أقاليم وضع بذور الاستقلال الإقليمي لكل إقليم عند نضج الظروف، أو عند الاختلاف الجذري في المصالح.

 

توقعات التقسيم عالية، ومكونات التقسيم قائمة، دولة كردية، ودولة عربية سنية، ودولة شيعية، ولا تكاد تجد تسامحًا ذا مغزى بين من يعيشون في هذه الأقاليم الثلاثة. العراق المركزي يأتي في الأجندة بعد الاقليم الحزبي ومصالحه. ولا تكاد توجد في العراق دولة مستقرة عليها الصمود أمام نزعات التقسيم والتجزئة والانفصال.

 

لقد تمكن الاحتلال الأمريكي من اللعب في ديمغرافية العراق، ونشر بذور الصراع الطائفي، فاحتضن الكتلة الشيعية بكافة أطيافها، ومكن لها في الحكم وفي مفاصل الدولة، وزعم أنها الأغلبية في الإحصاء السكاني وأقصى الكتلة السنية، وعاقبها على مشاركتها الحكم مع صدام، وعلى مشاركتها في المقاومة المسلحة مع الزرقاوي وغيره. وجعل من الكتلة الكردية بيضة الميزان التي تتحكم في الطرفين، وحقق للأكراد طموحهم التقليدي بدولة كردية في شمال العراق.

 

بعد سنوات من حكم المالكي (شيعي) تحرك أهل السنة والعرب في الأنبار وسامراء وبغداد، وبعقوبة وغيرها من المدن فخرجوا في مظاهرات شعبية سلمية في كافة المدن تطالب بالإصلاح، وتطالب بسقوط المالكي، وتحولت المظاهرات إلى اعتصامات دائمة على غرار ميدان التحرير في مصر، وبدأت المعارضة ترفع سقف مطالبها، وتطالب بالإصلاحات وبالشراكة الحقيقية، وتنادي بسقوط المالكي، وبسقوط الطائفية ورفض التبعية لإيران.

 

حالة الاحتقان الداخلي في العراق توسعت، بعد تهديدات المالكي وسخريته من المتظاهرين والمعتصمين، وبعد أن فشلت الوساطات التي أرسلها إلى الأنبار وسامراء لاحتواء الأمر، لأنه لم يعط هذه الوساطات صلاحيات الاستجابة لمطالب المتظاهرين والمعتصمين.

 

"العراقية" و"السنية" تحاولان نفي الطائفية عن احتجاجاتهما، والمالكي يحاول نفي الشيعية الطائفية عن حكومته وحزبه، ومع ذلك فهذا النفي المؤكد لا يصمد أمام حقائق الواقع، فالمظلومية السياسية يشعر بها كل من الكردي والسني، ومن ثمة فهي أقوى المحركات في عملية التظاهر والاعتصام بينما تتمدد الشيعية على حساب الوطنية في مساحات الحكم والقرار والمؤسسات.

 

ومن ثمة يمكن أن نقول إن اللغة الوطنية المشتركة كادت تلفظ أنفاسها الأخيرة، مالم يتداركها قادة من ذوي المسئولية والحكمة.

 

لا مجال أمام العراق إلا أن يبقى موحدًا، وعصيًا على التقسيم والتجزئة، وهو لن يبقى عصياً على التجزئة إذا رفض المالكي مطالب المعارضة، وأغلق مسامعه عن العدالة الاجتماعية والإقليمية، والطائفية.