سقط «الزند»/ 3

نشر 07 يناير 2013 | 02:51

 

الأدب والفن من أعظم ما أبدع الإنسان، والفنانون يلونون العالم، والشعراء يصورون بكاميرا الفيديو التي يحملونها بشكل دائم يصورون ويلتقطون لنا أجمل الصور. ولعل أعظم إساءة للشعر والفن بعض النماذج البئيسة التي زعمت أنها الفن، وأنها تمثل روح الفن والإبداع، وما عرفوا من الفن والإبداع إلا التطاول على القيم. مع أن أعظم رسالات الفن أن يعظم القيم وشأنها، ويعمق حبها في الناس، وأن يعيد اللحمة إلى العلاقات بين الناس، وأن يرطب الأجواء، وأن يرتقي بالإحساس، وأن ينمي ذائقة الجمال، سواء المادي أو المعنوي. باختصار؛ رسالة الفن أعظم من كل ما نقول، وجريمة من شوهوا صورة الفن وسمعة الفن جريمة نكراء، فالمسرح يمكن أن يحمل رسالة تعبوية عظيمة، لكن حولوه إلى مهاترات وشيء تقذره النفس وتعافه الجبلة السوية. والسينما لعلها أعظم وأسرع أداة في التأثير وصياغة الفكر وصناعة الاتجاهات، ولكنها وظفت للشيطان وللشر وللصياغة المغلوطة وللدعاية لمراكز القوى ودول المركز، وتبرير كل جرائمها وتسويغ كل ممارساتها. فذبح الهنود الحمر تحول إلى أفلام، بررته وجعلته عين التحضر؛ لأن أولئك المبادون كانوا همجاً ووحوشاً بشرية! فكان الناس يصفقون للقاتل ويبصقون على الضحية المقتول، والعيب ليس في الأداة، إنما في الاستخدام والمستخدِم. وما لنا ولهذا؟ فلنعد إلى أبي العلاء المعري.

 

وشعره من أعظم الشعر على مر العصور، ولو جئت أوازن بينه وبين المتنبي، لربما قدمته عليه مع أنه أشعر شعراء العربية على مر العصور والأزمان، وعجيب المعري في كل شيء، فإذا تكلم عن العراق عدده وهو السوري بلداً بلداً، وإذا تكلم عن عادات كل قبيلة وكل قوم في الحاضر والغابر فاق الوصف! وإذا تكلم وهو الكفيف البصر عن أنواع النبات وعن صور الطبيعة وألوانها وتفتح زهرها فاق البصراء! وإذا تكلم عن القتال والرماح «والدرعيات» فكأنه القعقاع أو عمرو بن معد يكرب أو قيس بن هبيرة أو المثنى بن حارثة الشيباني رضي الله عنهم. وإذا تكلم عن النجوم والفلك عدد أضعاف ما نعرفه نحن المبصرين الناظرين إلى السماء.

 

ماذا أقول؟ المعري مدرسة، جامعة، مجمع لغوي، تحتاج وأنت تقرؤه إلى استصحاب «لسان العرب» في كل بيت من الشعر.

لكنه على وعورته قريب أثير مؤثّر جميل جزل فخم رفيع المستوى عميق المحتوى.

 

وله من الدواوين «اللزوميات» وهو مجلدان، وسقط الزند وهو مجلد، ولعل أحسن من أنصف المعري ودرسه بعمق وتحرٍ، ولعله يكون الأوفى والأعمق بين الدارسين، ذاك الجبل من اللغة والفكر والثقافة والبيان: محمود شاكر، ونح عنك جانباً «ذكرى أبي العلاء» لأبي العملاء طه حسين، فمن قصد بحر شاكر استقل «نزّاز» طه، وما هو حتى بنزّاز!

 

وإنما الذي أعاد «ذكرى أبي العلاء» في هذه الأيام الغبراء أن «الزند» مدعي القضاء، يتطاول على مصر الرئاسة والسياسة والمجالس هذا الزند رئيس نادي القضاة في مصر مبارك غير المبارك، واستمر في عهد الثورة المبارك يقوم بدور غير مبارك، وبدعوى عدم المساس بحرية القضاء المباركي العميل، يريدون تفكيك الثورة بل الدولة.

 

فقلت أعود إلى «سقط الزند» لأبي العلاء نرى ما يتحفنا به من موضوع «سقط الزند» الحالي، والخالي من كل قيم القضاء.

فوجدت فوق ما توقعت، وهذه هي الحلقة الثالثة في هذا الأمر، وفعلاً إن الكلمة لا تموت خاصة إذا كانت صادرة عن موهبة كموهبة أبي العلاء الفذة.

 

ولقد مات المتنبي وسيف الدولة الذي وقف المتنبي شعره عليه، وبقي شعر المتنبي بعد صاحبيه، أي من قاله ومن قيل له وفيه!

ونواصل في هذه الحلقة عندما توقفنا من ديوانه في الحلقتين السابقتين أي عند قصيدة: «ما قسطوا إلا على المال» وهم جائرون فاجرون، أي الزند والمجموعة أو الفرقة! ولتسامحونا إذا جمح القول منا، فها هو المعري يعتذر عنا:

 

إذا جمحت خيل الكلام فإنما

                                     لديك يعانَى، من أعنّتها، الضَّبطُ

وإنما جمح منّا القول؛ لأنه جمح من غيرنا الفعل، فالمؤامرة خطيرة مريرة عسيرة والفتن والحرائق في العالم العربي يراد لها أن تأكل الأخضر واليابس، ويُستهدف فيها العالم العربي كله من العراق إلى الشام وفي الطليعة مصر.

يقول المعري:

ولا فتنة طائفية جاهليـــــــــــــــــــــــــــــــــــة

                                      يحرق في نيرانها الجَعْدُ والسَّبْطُ

وقد طرحتْ حول الفرات جِرانَها

                                     إلى نيل مصر، فالوساع بها تقطو

 

والمعنى أن نار الفتنة لا تبقي على شيء، بل يصلاها المجعد والسبط أي غير المجعد الشعر بل أملسه، يعني كله!

وهذه الفتنة ممتدة من العراق والفرات إلى مصر النيل ونيل مصر، والوساع: الواسعة الخطو من الإبل، وتقطو أي تقارب خطوها، كأنما تقاصَرَ خطوها من تزاحم الفتن. والله أعلم.

ويطمئننا المعري في شعره إلى أن من أرادنا بشرّ فإنا رادّوه رادعوه، يقول:

وأي عظيم، راب أهل بلادنا فإنّا، على تغييره، قُدَراءُ

وما سلبتْنا العزَّ، قطُّ، قبيلةٌ ولا بات منا، فيهمُ، أُسَراء

ولسنا بفقرى يا طَغَام إليكم وأنتم، إلى معروفنا، فقراء

والمعنى أنّا مقتدرون بحول الله على كل من رابنا، أي أثار الريبة في نفوسنا وأرادنا وبلادنا بشرّ فإنا على قلعه وخلعه مقتدرون، وصدقتَ يا عمنا المعري، فكيف أتاك نبأ ما فعلنا بغير المبارك وبنعلي والطالح وقذاف الدم «يقولون خمسة سادسهم كلبهم» إذا لحق الطائفي بالطائفي فمن يكون؟ وأما الطغام الذين ذكرهم المعري فالأوغاد السفلة.

ولعل من أجمل قصائد الديوان (سقط الزند): «ألا في سبيل المجد» ويعلن فيه عداوته للزند، يقول صفحة 193-194 مستهزئاً به وبادعائه الفضل والعدل!

 

ألا في سبيل المجد ما أنـــــــا فاعل

                                                   عفاف وإقدام وحزم ونائل

أقلُّ صدودي أننـــــــــــــــي لك مبغض

                                            وأيسر هجري أنني عنك راحل

ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً

                                    تجاهلتُ، حتى ظُن أني جاهل

فوا عجباً كم يدعي الفضل ناقصٌ

                                    ووا أسفَا  كم يُظهر النقصَ فاضل

فلو بان عضدي ما تأسف منكبي

                                       ولو مات «زندي» ما بكته الأنامل

إذا وصَفَ الطائيَّ، بالبخل، مادرٌ

                                                وعيَّر قُساً، بالفهاهة، باقل

وطاولت الأرضُ السماءَ، سفاهـة

                            وفاخرت الشهبَ الحصى والجنادلُ

 

إلى آخر القصيدة المشهورة إلى صفحة 196.

ثم يشن على الزند هجمة شديدة وغضبة مضرية، فيقول صفحة201:

جهول بالمناسك ليس يدري أغياً بات يفعل أم رشادا

فمثل الزند لا يخشى إلهاً ولا يرجو القيامة والمعادا

ولعل أشد هجوم له جاء تحت عنوان: «كلاب تنبح القمر» تعليقاً على الفرقة التي تردح لمصر وإجراءات تعديل الخلل وتقويم الأوضاع فيها، يقول صفحة 202:

تعاطوا مكاني، وقد فُتُّهم فما أدركوا غير لمح البصر

وقد نبحوني وما هِجْتهم كما نبح الكلبُ ضوءَ القمر

 

وتحت عنوان «ماء بلادي أنجع» من صفحة 228-233 وهو يعرّض فيها بالمرتبطين بالأجانب والمنفذين مخططاتهم، يقول يا أبناء النيل: ماء بلادكم أنجع وأنفع! يقول:

وأقتال حرب يُفقد السلم فيهمُ

على غيرهم أمضى القضاءِ وإقتالُ

والمعنى كما في هامش سقط الزند: أقتال الحرب: الأعداء، واحده قِتل بكسر، والإقتال بكسر: الحكم؛ أي إن هؤلاء الأعداء متمردون لا يقبلون حكماً، وإنما الحكم على غيرهم. أ.هـ.

قلت: ولاحظ أنه بدأ البيت بالأقتال بفتح الهمزة وختمه بالإقتال بكسرها.

تصاحب في البيداء ذئباً وذابلاً

                                           كلا صاحبيها في التنوفة عسّال

فزندك مختــــــال وزندك قتــــــــــــــــال

                                           والقوم فــــــــي القطـــــــــــــــــــــــــر ضُلّال

 

والقصد من القوم المجموعة إياها!

ويخصه بالذم فيقول صفحة 234: «وما كان أفعى أهل نجران مثله»

وتحت عنوان «صريع البين» يقول له:

تفهمْ يا صريع البين، بشرى أتت من مستقل مستقيل

ولعلها بشرى من عمنا أبي العلاء أن يقال أو يستقيل هذا الزند العليل القليل الجدوى والنفع الكثير القال والقيل.

وفي بيت يقول له المعري إنك إن جاريتني في الجدال: «وُجدت عين الظالم»

 

ويعرض بتهاني محامية سوزان الحرامية فيقول:

من يشتريها وهي قضاء الذيل كأنها بقية من السيل

أما بعد، فهذا بعض ما جاء في سقْط الزند بحق الزند والسَّقَط الذين مع الزند، ورحم الله أبا العلاء فارس الكلمة، وإن كان رهن المحبسين ورهينهما!

أما ديوان المعري الآخر: «لزوم ما لا يلزم» أو «اللزوميات» فهو في مجلدين صفحاتهما تُنيف على ألف وثلاثمئة صفحة ولوددت أن أنبش لك فيهما، وأستخرج من كنوزهما وجواهرهما حجارة ورجوماً على الشياطين، ولولا خشية الإثقال والإملال لكتبت سوى هذه الثلاث أربعاً أخرى من الحلقات.

 

ولكن أذكر من العناوين مستعجلاً الآن: «لا تهاد القضاة»، «جور الحكام»، «دنيا الغدر والخيانة»، «رعب وأمن خير من أمن ورعب»، «جند لإبليس»، «لصوص الأماني»، «فساد العالم»، «الوطن المقْوي»، «القدر الصياد».. إلخ

وصدق المعري في أول بيت في الجزء الأول من ديوانه: «أولو الفضل في أوطانهم غرباء» أما جماعة الزند فهم الأصلاء وقراراتهم محصنة ولا اعتراض.

 

وبعد أما بعد، فإني أرجو أن أكون قد قدمت صورة عن أدب أبي العلاء وشعره، وبخاصة قراءاتنا في سقط الزند، وأخص الخصوص ما اتصل منها بالزند. ولعلنا نكون قد تصيدنا عدة عصافير برمية واحدة: عرفنا بأبي العلاء عبقري الشعر لوذعي الكلمة، فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، والمتشائل، وعرفنا بأدبه وتمكنه من ناصية البيان ومفاصل اللغة والبلاغة. وربطنا بعض قرائنا بتراثنا وكنوزنا.

 

وإن كان الباعث الأول ما نروم من أن نقيم سداً في وجوه من يروم إلحاقنا بالروم الجدد ومنعنا من الانطلاق والنهوض. وأن نكون واجهناهم بالسخرية الكاريكاتورية كما يواجهون أفذاذنا بالأسلوب ذاته.

والله أسأل أن يجنب أمصارنا كلها، ومصرنا العزيزة بالذات شر الكائدين والحاقدين والمتآمرين والمتأمركين، فل حدهم وشل زندهم، وسلمت مصر بأهلها لأهلها.