سقط «الزند»/ 2

نشر 05 يناير 2013 | 01:55

 

ما أجمل كلمة قالها الفاروق عليه الرضوان: «الشعر ديوان العرب» وهو والله كما قال. فكم فيه من الكنوز والصور الجميلة، والبيان الذي قال عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحراً».

 

والعجيب أنك تجد موافقات ومطابقات مع الواقع فكأنما قيلت فيه وله. وفي وقت سابق كنت رجعت إلى ديوان «ابن المعتز» فرأيته كأنما يكتب عن بشار الأسد وما يجري في سوريا فكتبت خمس حلقات عن «الأسد المهتز في شعر ابن المعتز».

 

واليوم طلع لنا في مصر قاضٍ على القضاء اسمه الزند يريد أن يقاضي نظام بلده إلى القضاء الدولي إن لم يردعه القضاء المحلي. هذا الزند نفسه كان زنداً لمبارك ويداً وعضداً وسنداً ويداً وساعداً ورجلاً وذراعاً ضاربة باسم القانون ولم نسمع له ركزاً ولا همساً ولا صوتاً ولا نعيباً ولا نهيقاً.. طيلة ثلث قرن هي حكم مبارك. وملأ هذا الزند الدنيا ضجيجاً على حاكم منتخب لم يتسلم سلطته منذ ثلاثة أشهر. وشراك نعل هذا أطهر من رأس ذاك. فما سر الردح هنا، والصمت الرهيب هناك؟ قلت في نفسي دعني أستعين بعد الله على الزند بأبي العلاء المعري صاحب الموهبة والعبقرية العصماء، وأرى ماذا كتب عن الزند في ديوانه العظيم: «سقط الزند»؟

 

وتعجب قارئي العزيز إذا قلت لك إنه كأنه مفصّل على مقاسه، بل إن المعري يحدده لنا بالحرف، وقد تستغربون، فاقرأ يا سيدي، ومهمتي بالمناسبة ليست أكثر من رتوش أقل من طفيفة. أو ككاتب سيناريو –سيناريست يعني- لقصة مع المحافظة على أحداثها بالتمام والكمال، استمع إلى المعري يحدد صاحبنا بالحرف وذلك صفحة 177 من قصيدة بعنوان: «ما قسطوا إلا على المال» يقول:

وحرف كنون بعد زاي، ولم يكن  بدال، يوم الرَّسم، غيّره النقط.

 

وتأمل ما يقول المعري عن مؤامرة الزند مع فرقته الموسيقية من الخونة وأنها مؤامرة مدبرة بليل يقول:

جِنٌّ، إذا الليل ألقى ستره برزوا    وخفّضوا الصوت، كيما يرفعوا الصيتا

وبالعربي، هو يقول: هؤلاء القضاة الفاسدون المتآمرون ذيل رأس الفتنة «باراك مبارك» هم كالجن مختفون يظهرون في الليل كشأن الفتن التي لا تحاك إلا بالليل كما تقول العرب: «هذا أمر دبر بليل»

 

فإذا أرخى الليل سدوله وستروه برزوا كالفتنة نفسها، وغضوا أصواتهم وخفّضوها أي الأصوات حتى يكون لهم صيت وسمعة وشهرة! فهم الذين يعزلون مجلساً منتخباً من 32 مليون شخص، ويريدون أن يخلعوا حتى الرئيس خلع الله رؤوسهم العفنة، فهم رأس الفتنة.

 

ولكن هؤلاء المتآمرون هل لهم معاونون؟ نعم إنها أمريكا والغرب والروم الجدد. واسمع واعجب من أبي العلاء يأتيك بالخبر اليقين:

والروم ساكنة الأطراف، جاعلة   سهامها، لوقود الحرب كبريتا

 

هذا الزند المتمرد على الرئيس المنتخب، والمحبوب من الشعب، يستعين على رئيسه أي الزند يستعين بالغرب، ويعصي عميد الأمة وأملها المرتجى، والأنعام النافرة والمستنفرة كأنها الحمر المستنفرة التي «فرّت من قسورة» لا ترتدع ولا ترعوي ولا تنتهي من مؤامرتها، ولنترك كلامنا نحن ونرجع إلى المرجع أبي العلاء وديوانه المعتبر المفتخر: سقط الزند، يقول:

فقل لمن يغتال تِرب العلا   التُّرب خير لك لو تعلم

قل لمن يريد اغتيال ترب المعالي أي قرين المعالي فإن الترب خير لك لو كنت تعلم. ونواصل:

ما أنت في عدة من يُتقى   بل أنت في عدة من يُرحم

يقول للزند: لست في عداد من يتقى خطره وضرره بل أنت في عداد العجزة الذين يرحمون ويترفق بهم لعجزهم ومسكنتهم وإن لبسوا أثواب القوة وتمظهروا بها، ثم يصفه مع مجموعته بالأنعام، يقول:

والقوم كالأنعام إن عوتبوا   تسمع ما قيل، ولا تفهم

ونختم أبياته في هذا المعنى بكلامه عن عصيان الزند وأشباهه وأشياعه وأتباعه عصيانهم عميد الأمة رئيس الشعب:

يعصي عميد الأمة المرتجى  مَن بين عينيه له مِيسم

يقصد سيماهم في وجوههم من أثر السجود.

 

ويقول المعري صفحة 163 كأنه يصور أمر أمريكا له بالفوضى الخلاقة، يقول: «دع القطر فوضى» عجيب هذا المعري!

وننتقل إلى قصيدة أخرى من ديوان المعري يصف الزند ببهيمة أو فرس مربوطة في «مرس» أي حبل، يمنعها قِصَرُ العِنان، من الوصول إلى القضاء الحقيقي، والحكم بالعدل. وإنما «قصر العنان» من اتّباع الهوى والخضوع لأوامر الأسياد في الخارج فهو أي الزند عبد مقيد قصير الباع في الخير يمنعه من اللحاق بالأوائل الكرام من نماذج القضاء العليا ارتباطاته التي تربطه وتغله وتقيده وتمنعه، واستمع إلى العبقري المعري:

ويصدُّها قِصر العنان، فما لها   يوم الرهان، إلى القضاء، وصول

والعيس أقتل ما يكون لها الصدى   والماء، فوق ظهورها، محمول

 

ما أجمل كلماتك يا عمنا المعري.. فهذا الذي يفترض فيه أن يحمل القانون فوق ظهره، ولكنه بدل ذلك صار كالحمار الذي يحمل أسفاراً. والعجب أن العطش يقتله والعدل من المفترض أنه محمول على ظهره. وهو الذي امتطى ظهر القانون وتسلق على المنصب وتشعبط بغير زنده وغير حقه.. وهذا الزند مثله كمثل من طار وارتفع ثم وقع، وهو الأخير في سلك القضاء من هذا الطراز الفاسد، فهو كآخر الشهر العربي لا قمر فيه ولا نور، استمع إلى عمنا المعري، كساه الله، مقابل ما عرى الزند إذ قال:

أخِيرٌ حاد عن طرق الأوالي    فحار وآخر الشهر السرار

ولن يُحوى الثناء بغير جود   وهل تُجنى من اليبس الثمار

 

فكما أن السرار آخر الشهر لا قمر فيه فالعود اليابس عار عن الثمار والزند عار عن العدل عار عليه. وكم توقفت متعجباً عند هذا البيت المفصل تفصيلاً للزند لم أجر عليه أي «تقييف» أو تكييف أو تحريف:

وزند عاطل يحظى بمدح   ويحرمه الذي فيه السوار

ما أعجب الموافقات! الزند ينادي مجموعة المشبوهين بالدفاع عن قراراته وتحصين قراراته ولا تستطيع الرئاسة أن تحصّن قراراتها، فيحرم المحترم من المدح والزند العاطل يلقى المدح، وعجبي! عجبي مرات من الموافقات والمطابقات والمقابسات والمقايسات والمصادقات لا المصادفات!

 

ونواصل مع «الزند العاطل» في «سقط الزند» وأن طالب العدل لن يجده عنده فلا يطلبن الشيء في غير محله، اسمع واعجب من المعري:

لا يطلبنّ قضاءَه متظلّم   فالعدل ممتنع على طلابه

والزند يجني المرّ من حكْم القضا   فيصير سمّاً في طريق خِطابه

والزند ما عكفت عليه قضاتُه   إلا لما علمته من «إرطابه»

إرطابه أي ما يجود عليهم من الرُّطب والمنافع والعوائد هو الذي جمّعهم عليه! ارجع إلى صفحة 125-127 ونظل مع «الزند  العاطل» كما يصفه المعري، إذ يقول فيه وفي أضرابه:

فيكم غداتئد قضاء جائر   في القطر، أعظم من قضاء عادل

جهل بمثلك أن يزور بلادنا  يختال بين أساور وخلاخل

أوما رأيت أن الليل يلقي شُهْبَه   حتى يجاوزها بِحُلّةِ عاطل

يخاطب هؤلاء المشبوهين من قضاة السوء بقوله: القضاء الجائر فيكم وعندكم في هذا القطر المنكوب بكم أعظم من القضاء العادل.

وجهل بمثلك أن تزور البلاد زيارة فكيف أن تكون القاضي على القضاء فيها؟

وليس لك في مصر المحروسة أن تختال وتشمر عن زنودك.. فأنت عاطل عن كل خير وبركة وفضيلة. كالليل إذ يلقي شهبه فما أن يلقي ما في جعبته من الشهب يجاوز «بحلة عاطل» أي أنهى ما عنده فما فيه قبس ولا في سراجه قطرة زيت من عدل كالليل الذي لا نور فيه!

 

ويقول المعري للزند في سقط الزند:

لا وضع للزند، إلا بعد إيضاع   فكيف شاهدت إمضائي وإزماعي

يخاطب المعري هذا الزند المتعري من العدل والفضل: لا وضع لك، ولا مكان ولا مكانة إلا بعد اتضاعك أي «وضعك» بمعنى تقليمك وتقليصك وتخليصك من انتفاشك وتغطرسك وتلبسك بغير أثوابك فكيف رأيت خطابي لك أيها الزند في ديواني سقط الزند؟

ونجيبك يا عمنا أبا العلاء بأنك كفّيت ووفّيت وجزاك الله عنا وعن القطر المصري خير جزاء. أما الزند فلن يجيبك فقد ألقمته حجراً بل صخراً!

 

ثم يخاطبه ويخاطب مرسي: إن مثلك أيها الرئيس لن يقف له ألف ألف زند فيقول:

ولو أنه أضعاف أضعاف مثله   من الزند، لم يثبت له، في نداك، اسم

ويقول للزند إن مرسي لم يلفظك ويلفظ أمثالك لضيقه بالعدل والقضاء ولكن لفسادكم:

ولم يلفظك حضرته لزهد  ولكن ضاق عن زند وجار

والوجار: المكان. وفي نهاية هذا المقال يقول المعري للزند، اقتربت ساعتك، يقول صفحة 162 «وغاية كل شيء أن يزولا».