عندما انتهى 'زياد بن أبيه'من خطبته العصماء ، قلت في دخيلة نفسي: لن يكون هذا الرجل هو 'أبو مازن' الذي نعرفه لو لم يقل ذلك،إنه الرجل المصاب بمرض 'البوليميا'الذي كانت تعاني منه الأميرة ديانا ، وهو مرض النهم أو الشراهة أو كما يقال عندنا 'الفجعة'، أي عندما يكون الإنسان مفجوعاً يأكل كثيراً جداً وبلا تمييز. وكلمة بوليميا كلمة يونانية معناها جوع الثيران!!!'بعيد عنكم' أما عن علاقة هذا المرض بضيوف 'بوش' في ولاية ميرلاند الأمريكية ؛ أنهم عاشوا لسنوات طويلة في نهم شديد إلى المزيد من التسوية والتطبيع والتنازلات ، وأشبعونا مناورات سياسية على طريقة كبير المفاوضين ومجموعته اللاهثة خلف سراب السلام حتى أصبح 'يتامى السلام' فيما بعد يتشرنقون حول أحلام اليقظة!!
نعود لخطبة الرئيس العصماء فقد كانت متوقعة بالنسبة لي مع أنني أستغرب من وصفه اولمرت بالزميل ،كنت أتوقع أن يقول 'أخي ، حبيبي ، ونور عيني'بعد أن أمسينا بقدرة 'أبو مازن' الخارقة جيران نعيش على هذه الأرض بعد قوله 'ولنعط كل ذي حق حقه' يعني شطب كل ما كُتب حول عدم أحقية الصهاينة بالوجود على أرضنا التي احتلوها يوما ما إلا إذا كان أبو مازن ينظر إليهم 'كمساكين غلابى' يجب أن نحتضنهم ونعاملهم بأمومة عربية كما يستحقون . لكن يا 'حضرة' إذا كان اولمرت زميلك والصهاينة جيران، 'أمال إحنا إيه' في قطاع غزة المحاصر؟؟؟؟
كانت تلك الخطبة العصماء متوقعة من قيادة أوصلتنا إلى قمة الهاوية . وهذه مجموعة من اللمحات لتاريخ التنازلات المشئوم . فقد حدث أول تطور سياسي شكل بداية تنازلات فلسطينية مستمرة عن ميثاقها القومي ثم ميثاقها الوطني ثم برنامجها السياسي حيث أن المجالس الوطنية منذ عام' 1968حتى1971' قبلت العمل وإقامة دولة ديمقراطية في فلسطين يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود . يا 'منظمتهم' ألا يتنافى ذلك مع موقفك الرافض'آنذاك طبعا'لوجود المهاجرين اليهود في فلسطين؟؟؟
أما التطور الثاني في مجال البرنامج السياسي هو ما عُرف ببرنامج 'النقاط العشر'التي أقرها المجلس الوطني الفلسطيني في حزيران 1974 الذي قَبِل بفكرة قيام سلطة فلسطينية فوق جزء من الأراضي الفلسطينية ، هذا البرنامج الذي يعرف بالبرنامج المرحلي ، يعني القبول بالممكن والنضال من أجل الباقي . أرأيتم كيف ناضل الأوسلويون؟؟؟ إن هذا الحديث يُعَد الإقرار الأول من نوعه بقبول إقامة سلطة وطنية فلسطينية فوق أية أرض يتم تحريرها أو ينسحب منها الاحتلال ، ومع أن هذا كله لقي معارضة حادة من جانب أطراف فلسطينية عديدة وآخرون وصفوا هذا البرنامج ببرنامج'بعض فلسطين'إلا أنهم استمروا في 'وطنيتهم الزائدة'!!
المهم يا سادة أن هذه التنازلات استمرت من المجالس الوطنية واللجنة التنفيذية إلى أن بلغ التحول الرئيسي الذي يقود المرحلة الراهنة في دورة المجلس الوطني التاسعة عشرة في تشرين الثاني 1988حينما أقر المجلس ما عرف 'بمبادرة السلام الفلسطينية'والاعتراف بقرارى مجلس الأمن 242،338ووثيقة الاستقلال الفلسطيني التي تجاهلت الميثاق الوطني الفلسطيني والإشارة إلى القبول بقرار التقسيم رقم 181لعام 1947والى تقسيم فلسطين إلى دولتين أحداهما عربية والأخرى يهودية. ألا تلاحظون معي أن الخريفيين يحبون السرعة في الانجازات الوطنية وخاصة 'القائد العظيم ' ، حسب تعبير جمال نزال!!!
وهذا بيت الداء 'أبو مازن' وعلى صعيد العلاقة مع الأطراف اليهودية 'الديمقراطية المعتدلة'وفق الاصطلاح الذي استخدم لتبريرها ، فقد أعلن أبو مازن في دورة المجلس الوطني لعام 1977تفاصيل الحوار مع قوى يهودية ديمقراطية أمام أعضاء المجلس الفلسطيني وطالب 'أبو مازن' بضرورة الحوار مع القوى الديمقراطية الإسرائيلية داخل 'إسرائيل' وخارجها ، ولكنه اشترط أن تكون هذه القوى معادية للصهيونية ، ولكن في المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في عمان في تشرين الثاني 1984'الدورة السابعة عشرة' تم تجاوز عبارة 'المعادية للصهوينة' بعبارة أكثر اعتدالاً وهي 'الحوار مع القوى الإسرائيلية' ألم يقل لكم نزال أن الرئيس 'مبدع' دق أربعة مسامير في نعش 'إسرائيل' ؟؟؟!! إلى أن انعقدت الدورة القومية للمجلس الوطني في أيلول عام 1991والتي أقرت الدخول في عملية السلام والتفاوض المباشر مع ممثلي 'الدولة الإسرائيلية'على قواعد ومبادرة مدريد الأمريكية وقد توصلت هذه التوجهات عبر هذا التفاوض إلى توقيع أوسلو '1،2' التي أفرزت السلطة الفلسطينية أو سلطة الحكم الذاتي كمرحلة انتقالية في غزة وبعض مناطق الضفة الغربية.
هذا كله قبل أن نمر حتى الآن بأكثر من خمسة عشر محطة تفاوضية رئيسية وبأكثر من تسعين محطة تفاوضية فرعية برعاية دولية وبتشجيع إقليمي..ونذكر على سبيل المثال مفاوضات تشرين أول 1991في مدريد،ثم 13ايلول 1993'اتفاقية أوسلو'،ومفاوضات 1995في واشنطن،ثم واي ريفر1998،ثم شرم الشيخ1999،ثم كامب ديفيد2001ثم طابا،ثم عدنا إلى المفاوضات التي فرضت علينا أثناء حصار الرئيس الراحل ثم دخلنا في مفاوضات خارطة الطريق ثم تعايشنا مع مفاوضات القمة التي تتكرر بمعدل مرة واحدة أو مرتين في الشهر الواحد . وليس انتهاءً بلقاء 'انابوليس' . أليس هذا هو 'البوليميا' بعينه؟؟؟
وبعد : لا أدري كيف تنظر قارئي الكريم للتنازلات المتواصلة عن البرنامج السياسي 'لمنظمة التحرير' 'لا تقل لي أنها لم تعد منظمة تحرير!!!!' وعن الأهداف الأساسية لها بشكل تدريجي عبر المجالس الوطنية الفلسطينية المتوالية 'الواحد والعشرين'حتى وصل الأمر إلى ارتباط هذا البرنامج وهذه الأهداف بعملية التفاوض السياسي فقط مع 'الاحتلال الإسرائيلي' والسعي لتوفير المستلزمات المطلوبة والتي كان من أهمها محاربة الإرهاب وفق خطة خارطة الطريق ومن قبلها مستلزمات أوسلو.ألا تعتقدون الآن أن منظمة التحرير تلطخت بعار التنازلات وفضيحة اللاوطنية؟؟؟
أليس صحيحاً يا 'حضرة الرئيس' أنه ليس في السياسة أعداء وأصدقاء وإنما مصالح تربط وتفصل بين الناس ، فالسياسة ليست غرام شعب لشعب وإنما اتفاق مصالح اليوم مع مصالح الغد . فكيف تريدنا يا 'رامبو' التنازلات أن نتعامل مع المحتل بغرام وصداقة على طريقة الزمالة مع اولمرت ونحن نتلوى جوعا وحرمانا!!
ألا يحضرك يا 'سيادة' ما يُعرف في التقاليد الصعيدية أن الرجل قد يُقتل غدراً وظلما وقد يكون في موقع الضعف لأنَّ أولاده صغار لم يتمكنوا من الدفاع عنه..ولكن الأم الأصيلة تصبر على الظلم ولا تقبله فتظل ترضع صغيرها كراهية العدو وضرورة عقابه حتى يأتي يوم يصبح الصغير فيه كبيراً قادراً على الثأر واسترداد الحق ؛ فيسترد حقه وينتقم من قاتل أبيه؟؟؟ إلا إذا كنت تؤجل ذلك إلى أن يخرج 'عبد ربه 'من سن المراهقة السياسية والأخلاقية ؟؟؟
سنرى إذن بعد هذا الصعود إلى قمة الهاوية إذا كان أبو مازن سيعود ليعترف بدولة يهودية أم أنه سيعود بخفىْ حنين ، هذا إن عاد بهما لأنه لم يذهب بشيء!! إنهم محترفون في حراثة الماء وإدارة طواحين الكلام العبيط ثم الظهور مأزومين كما جرى مع 'نبيل عمرو' الذي 'بلّه' عزمي بشارة 'ونشره' عدة مرات على شاشة الجزيرة ليعطي بعدها ظهره للكاميرا معترضاً على الصفعات الكلامية التي تلقاها من بشارة وبقية الضيوف ، خطر في بالي حينها أن أقول له ' دون ذا وينفق الحمار' يا 'نبيل'!!.