ربما يعلم أكثر القراء أن لبنان بات اعتبارا من يوم وبعض يوم بلا رئيس. ومشكلة لبنان لعلها لا تخفى على الجمهور المتابع؛ وهي بكل حال تشبه مشكلة فلسطين الى حد بعيد؛ لدرجة أنه لو اقتطعت بعض تصريحات أزلام رام الله؛ وانتزعت منها الألفاظ السياقية مثل أسماء الأماكن والشخوص فسيصعب الجزم في تحديد مصدر هذه الكلمات: هل هو جنبلاط أم ياسر عبد ربه؛ أو هل هو فياض أم السنيورة. إذا من هذا الجانب لا يوجد شيء مغر بالنسبة لفلسطيني ليترك الاشتغال بفلسطينه ويتحدث عن لبنان؛ فجديدهم قديمنا وقديمهم جديدنا في لعبة السياسة الوسخة مع أيتام أمريكا الوسخين. لكن هو أمر واحد بعينه لفت نظري وأدهشني كيف صدر مثله من لبنان ومر دون متابعة تذكر من جمهور الأمة الغافل و'الرجل المريض' الغارق في سباته وشروده وذهوله...
فحين كان لبنان يحاول أن يتدارك الحال ويحاول عدم الوصول لما انتهى له من يتم في الرئاسة؛ كان 'بطريرك' الكنيسة المارونية هو الذي يتولى جمع أسماء المرشحين والسعي بذمة التوفيق بين الأبناء المختصمين. كان البطريرك مخولا من جميع الأفرقاء المسيحيين ليقوم بدور العراب؛ ولا يتحدث عنه سياسي من متديني رعيته أو علمانييها إلا بكل صفات الاجلال والتعظيم - يتحدثون عنه بقولهم 'سيدنا البطريرك' - ولم يستنكر ذلك أحد في لبنان أو العالم العربي ولم يستغربه!
إذا لبنان الذي صدر لنا 'جيزيل' و'مارسيل' و'إيلي' وغيرهم من عشرات حملة الأسماء الصليبية في الإعلام العربي المرئي والمقروء؛ ولبنان الذي صدر غيرهم من عشرات العلمانيين والمتهتكين المارقين من ثقافة أمتهم من المحسوبين عليها قسرا والمكتوبين زورا في سجلات نفوس المسلمين - لبنان هذا تدخر الطائفة المسيحية فيه لنفسها حق الرجوع في ملماتها العظام لرئيسها الروحي دون باقي المرجعيات والدستور والقانون وكل 'الهلس' الذي يردد على مسامعنا نحن المسلمين وحسب إن استعنا على القهر السياسي وغصب الارادات بالتسبيح والحوقلة! فحلال على إخوان 'سعيد عقل' أن يلوذوا بعرش شيخ الطائفة؛ أما المسلمون فلا عزاء لهم! وليس لهم إلا ازدراد شعارات 'فصل الدين عن الدولة' و'لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين'!
ما الذي حدث؟ كيف تركنا 'جيزيل' تتمول بأموال مقتطعة من عوائد الحج والعمرة والنفط وباقي النعم التي هي ميراث دعوة أبينا ابراهيم لتدرس لنا - هي وباقي مخلفات 'العلوج' وفضلات الحملات الصليبية - أن الحجاب تخلف؛ وأن الدين رجعية؛ وأن الاسلام تطرف؛ وأن العلمانية تطور وحداثة؛ لتبوء هي وحدها وقومها بالحق الحصري في الرجوع لرموز الرجعية اليمينية المحافظة عندما ينزل بها وبقومها خطب؟!
إن أمة ترضى بأن يتصدر أعداؤها الحضاريون ليدرسوا لها كره دينها فلا تغضب ولا تتعجب - وصفة العداء هذه بالمناسبة تشمل كل متعلق بالغرب وكاره للاسلام دينا وثقافة بغض النظر عن دينه - إن أمة كهذه لهي أمة ذاهلة جاهلة حمقاء لا تستحي من الله ولا من الناس ولا من نفسها!
بوش يرى أنه 'يكلم الله'؛ و'إسرائيل' تصر على أنها دولة يهودية؛ والبطريرك يحكم في رقاب أبناء طائفته ورقاب المسلمين الذين هم أكثرية في بلده؛ ووحدهم المسلمون يتخلصون من 'عقدة' الدين والتدين والرجوع للتراث!
أهل 'فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم' يفرون من الحاكمية خشية الاتهام بالتخلف؛ والحبر المأمور في عقيدته بأن يدع 'ما لقيصر لقيصر' لا يدعه ولا يعافه؛ بل يتدخل في اختيار القيصر وتحديد اسمه؛ ولا داعية حريات واحد يتكلم عن أي خطر يتهدد الدولة المدنية! وكل جوقة الكتاب الذين خافوا على 'حرمان' أطفال فلسطين من 'قول يا طير' الذي لا يليق ببرائتهم - كل هؤلاء من النصارى والمسلمين ومن 'الجنس الثالث' في لبنان وفلسطين لا يقولون في سلوك البطريرك شيئا!
كيف يرجع نصارى لبنان للبطريرك ونحن لم ندع 'فيلم' سينما ولا نكتة ولا برنامجا حواريا إلا وطعن في 'الاسلام السياسي'! كيف يرجعون للكنيسة ونحن لم يبق لنا زعيم من اولئك الذين سيأكلهم الدود ويعافهم إلا وكال لديننا وحقنا في اللجوء لأشواقنا الروحية وزعاماتنا الدينية كل شتيمة ونقيصة باعتبار أن هذا تخلف وأن هذا ارهاب؟!
هل نحن لا يحق لنا أن نلجأ لمنابرنا وكتابنا ورؤسائنا الدينيين؛ أما جيزيل و'جعجع' و'بعبع' 'فبيلبألن'؟!
نستحق ذلك الاستغفال وهذا الاستهبال وأكثر! فما دام 'رزق العملاء على المهابيل' وما دمنا سمحنا لعدونا أن يقلي لحمنا الحي بزيت سال من شحوم ظهورنا فلنكرع كأس المرارة تلو الكأس! 'بنستاهل'!
وليس هذا مقالا موجها بحال ضد المسيحيين في لبنان أو في العالم العربي؛ بل هو موجه ضد منطق أعوج ومعايير مزدوجة اضطلعت رموز كثيرة - بينها وبشكل ملحوظ عدد كبير من المسيحيين يفوق نسبتهم العددية في العالم العربي - بالترويج لها في الحرب على حق الاسلاميين في النشاط السياسي والثقافي عبر تاريخ العرب المعاصر كله! ومرة أخرى لا تلام هذه الرموز الانعزالية الانفصالية العميلة بقدر ما تستحق اللوم أمة قبلت أن يتصدر شيطان مثل 'لويس عوض' لكتابة تاريخها؛ فسمى لها الغزو الفرنسي لمصر والذي أقام المقاتل العظيمة والمذابح في كل قرية ومدينة بين البحر المتوسط وأقصى جنوب الصعيد - سماه 'بالحملة الفرنسية'؛ حتى إنه ليهيأ للقاريء الغافل من مولدي حقب الجهل واليتم الفكري بأنها كانت حملة أقامت مخيما كشفيا لحقن الأطفال بالمطاعيم وتوزيع 'الكرواسون' الساخن على الفلاحين الجوعى!
نسأل الله السلامة للبنان ومقاومته من أعداء الله والانسانية ومن عبث العابثين من زعامات التبعية لأمريكا...ونسأل الله سبحانه وتعالى السلامة لفلسطين ومقاومتها وجهادها وشعبها من الصهاينة ومن كلابهم... وأرجو الله أن يرزقني قبل الممات نظرة الى وجه الأمة وقد صحت من غفلتها وصارت صفة 'الرجل المريض' صفحة قديمة من تاريخ أفل لصالح نجم صعد ولمع وسطع...
وأهم من ذلك أن يكون نجما ما عاد يستمريء التخادع للرائح والغادي!
بقلم: رشيد ثابت
29-11-2007