الذاكرة الحية

نشر 29 ديسمبر 2012 | 12:42

 

لم يتوقف قطاع غزة كثيرًا عند الذكرى الرابعة لمعركة (الفرقان) 2009م التي استمرت (22) يومًا على غزة المحاصرة. ولم يتناول الإعلام الفلسطيني للأسف هذه الذكرى في برامجه بما يليق بها ويكافئ أهميتها السياسية والعسكرية، التي لخصها الاسم الفلسطيني الذي أطلق عليها وهو (الفرقان).

 

قد ألتمس عذرًا لهذا التجاوز أو الإغفال الذي يرجع ربما لمشاعر النصر الذي تحقق في معركة (حجارة السجيل). والتي فرح بنتائجها الفلسطيني والعربي والمسلم وأحرار العالم جميعًا على السواء. نعم (الفرح) يجب ما قبله، و(النصر) يجب ما قبله، ولكن فرح النصر في حجارة السجيل ما كان يمكن أن يتحقق بدون (الفرقان) أبدًا.

 

الفرقان التي توقفت عند إفشال أهداف العدو من المعركة، وهي الأهداف التي تلخصت في: إسقاط حكم حماس، واستعادة شاليط، واستعادة قوة ردع وكسر ظهر المقاومة. هذه الأهداف الثلاثة فشلت تمامًا، لم يسقط حكم حماس، ولم تستعد دولة الاحتلال شاليط إلا بثمنه من خلال صفقة وفاء الأحرار، ولم تستعد قوة الردع ولم تكسر ظهر المقاومة، وقد أثبتت معركة السجيل أن المقاومة خرجت من الفرقان أقوى مما كانت بأضعاف مضاعفة، ومن جاء ليردع غزة بقوة نيرانه، عاد مردوعًا في عقر داره وفي مركز صناعته للقرار، في( تل أبيب) والقدس وبئر السبع.

 

لقد قلّص الردع الفلسطيني زمن المعركة من (22 يومًا) في حرب الفرقان إلى (8 أيام) في معركة حجارة السجيل، وفاجأت المقاومة العدو بأكثر من مفاجأة مؤثرة ومؤلمة ومنها إطلاق سفارات الإنذار في (تل أبيب) والقدس وبئر السبع وهارتسيليا ويبنا والقسطينة، ومدن وقرى غلاف غزة، وبموجبها دخل (3 ملايين) صهيوني إلى الملاجئ على مدى الأيام الثمانية. ومنها إسقاط طائرة (F16) وطائرة استطلاع، وإطلاق صواريخ 107 على البوارج البحرية.

 

لقد شعر قادة الاحتلال، ومتخذو قرار اغتيال أحمد الجعبري، رحمه الله، أنهم كانوا مخطئين في قرار الاغتيال، وأنهم سيكونون أكثر خطأ إذا استمروا في المعركة لأيام أخرى بعد الأيام الثمانية، لذا قرروا الموافقة على مطالب المقاومة التي قدمها الراعي المصري لهم، وهذا تقدم كبير يحصل لأول مرة في تاريخ المقاومة في انتفاضة الأقصى المباركة.

 

إن تقدم المقاومة، في استراتيجيتها القتالية، وفي إجراءاتها الميدانية على مدى الأيام الثمانية، وفي رؤيتها السياسية للمعركة وكيفية الخروج منها ما كان له أن يحدث بهذا الشكل الرائع لولا (حرب الفرقان) التي قدمت دورًا كبيرا للمقاومة وللشعب على السواء.

 

الفرقان صنعت السجيل. ومن الصمود في الفرقان وُلِد النصر في السجيل، والاحتفال والفرح بالمولود اللذيذ الجميل، الأمم الحية تستذكر تاريخها دائمًا أبدًا، لأن المستقبل المشرف يولد من رحم التاريخ الحي، والأمم التي لا تاريخ لها ولا ميراث تحاول أن تصنع لها تاريخًا وميراثًا يدل على أمجادها. وأحسب أن للشعب الفلسطيني ميراثًا عريقًا، وتاريخًا حيًا بين الأمم الحية، ومن هذا التاريخي الطبيعي الحي كان الفرقان، وكان السجيل، وغدًا يكون التحرير والفتح بإذن الله، ويجدر بالإعلام الفلسطيني والحركي أن يستدرك ويستذكر المواقف العظيمة والعظماء من الشهداء والقادة في كل محطة ليستبقي ذاكرة الأمم حية.