حلق القوم لحاهم، وهندموا هندامهم، ولمّعوا أنوفهم ووجناتهم، ومنهم من حمل قلماً ومنهم من حمل ورقةً فارغةً، ومنهم من طلب من سكرتيره أن يكتب له بضع كلمات، ومنهم من ذهب بملابسه، واجتمع الجمع بعد أن أمروا أصحاب الكاميرات بعدم توجيهها نحوهم خوفاً أو خجلاً أو لا أدري لماذا؟ اجتمعوا جميعاً حول الإفرنجي ليحكي لهم الحكاية من البداية إلى النهاية!
حمل السياسيون أقلامهم وأوراقهم وإلى شاشة الجزيرة جحظت أعينهم، كلٌّ يرقب ميلاد الفجر الجديد الذي استشرفه العبيد من معبودهم الإفرنجي الفريد، ورغم اعتقادهم –وهم العالمون بمفاصل السياسية- أن الجمل لن يلد اليوم إلا أقل من فأر! إلا أن أسنانهم كانت تعض على بعضها حتى توجعت منها الأعصاب والعضلات!! لأن نفوسهم يتلجلج فيها حب المعرفة وتتسابق أنفاسهم إلى التقاطها وتحليلها فهي تتوق لالتهامها كغيث ينهمر على الأرض العطشى (مع كامل احترامنا للغيث ونفوس السياسيين)!!
في يوم سياسي بامتياز حيث سمعنا تحليلات عديدة من د.عزمي بشارة الذي لم يتوقع من مؤتمر البطات العرجاء -على حسب وصف الصهاينة له- الكثير، ومن نبيل عمرو الذي علق الآمال العظام على 'الإفرنجي' وأوهمنا بأن محمود رضى عباس يحمل أسهماً في جعبته ليضعها في نحر أولمرت، وقد وصف لنا الكذوب اللجوج معركة حامية الوطيس سيدور رحاها في أنابوليس، وقد استعار بأنواع وألوان من 'مكياج' الثوابت والحقوق وغيرها من جنود احتياط 'المتحذلق السياسي' الذي لم تنطلي كلماته على الصهاينة الذي علقوا على كلامه ضاحكين متستهزئين! وكأني بهم يقولون له: كأنك لم تكن معنا على ذات الطريق! فعلى عقول من تضحك يا 'طخيخ' أبو عمار!
كنا نسمع هذا الطحن في الطحين من قبل عصابة أنابوليس (المسمى الجديد بعد أوسلو) من شهور وأسابيع، حيث لامس أطراف آذاننا! أن المؤتمر سيكون الأمل الوحيد في انطلاقة دولة فلسطينية على حدود 67!! وظل الكذب يمارس على الشعب بل على العالم بأسره بأن هناك توافقاً وحواراتٍ جدّيّةٍ ومعمَّقة ستؤدي في النهاية إلى وضع النقاط على الحروف، وإعادة الحقوق، ووقف الاستيطان وعودة اللاجئين، ولن يكون أقل من ذلك!! حيث سمعنا آنذاك من قبل بعض أتباع العبيد مصطلحات 'التمترس'، و'التفاؤل' و'الأمل الأخير' ... إلى أن وصلنا قبيل أيام من انعقاد المؤتمر إلى القنبلة التي رماها أولمرت أمام المفاوض الرومانسي صاحب الشعور الوردي والنوايا الحسنة، وهي أن على المفاوض الفلسطيني أن يعترف بيهودية الدولة كأساس لنجاح أي مفاوضات أو لنجاح مؤتمر أنابوليس على الأقل! حينها لم يرد المفاوض الفلسطيني ولم يوضّح أمام العالم موقفه من هذه النقطة بل ظل يبتلع ريقه أمام وسائل الإعلام ويجترّ الكذب مراراً وتكراراً بالشعارات الرنانة التي أصبحت تصيبنا بالغذيان كلما سمعناها وهي الخطط الواقعية المتدرجة التي جلبت لنا الكوارث عبر 14 سنة من مسيرة أوسلو البغيضة التي أصبحت سبّةً وعاراً على كل من شارك فيها وركع لمضامينها، وجهل المفاوض الغبي أن هذه القنبلة التي رماها أولمرت عقبة جديدة في طريقه تعني بكل وضوح شطب حق العودة وبالعربي الفصيح لمن لا يفهم: لا تحلم بمناقشة حق العودة في مؤتمر أنابوليس، وهو الحق الذي يعتبره جميع من ذهبوا إلى تجمع الشياطين في أنابوليس حقاًّ غير واقعي، ومنهم من رفضه صراحة واعتبره ضرباً من الخيال، ولو تشدقوا به واعتبروه حقاًّ؛ فالحق الذي لا يطالَب به وتُعدٌّ القوة والمقاومة كعامل أساسي من أجل استرداده لا يعتبر حقاًّ! والحق المغتصب لا تحميه من الضياع أو الاندثار إلا القوة ولا شيء غيرها، فضلاً عن قطع الكنيست على نفسه عهداً بأن القدس عاصمة موحدة أبدية لدولة إسرائيل، فضلاً عن تهديد أحبار اليهود المستمر لأولمرت بعدم التنازل عن أي شيء! فهو مؤتمر ماذا يا ترى! أجب يا نبيل عمرو، أو أي بهلول!!
بلغة الرومانسية ومنهج الاستجداء تحدث أبو مازن كبداية للمؤتمر مع عدم التلويح بأي خطوط رجعة في حال تعنت أولمرت في الحروب التفاوضية كما يحلو للمفاوض أن يسميها، بل إن كل خطاب أبو مازن قائم على مبدأ يقوم بالأساس على ثقافة التنازل، واعتبار أن أمريكا وبوش هما المرجع الرئيسي لأي نجاح تفاوضي في المنطقة، مع أن تجربة المفاوض نفسه مع أمريكا مريرة أيضاً، فأين الخلل!! أهو في عقلية المفاوض العقيمة، أم أن المفاوض نفسه ضمن منظومة صهيونية تشرف عليها الحركة الصهيونية العالمية لإيهام العالم بأن هناك طحناً في الشعير، وأن رغيف الخبز الساخن قريب من التابعين لنا؟! يحق للشعب الفلسطيني المكلوم المحروم المحاصر المعذب على مدار عشرات السنين أن يعرف من المفاوض –رغم أنفه- تفاصيل التفاوض التي تناقش، وقواعدها ومنطلقاتها، وإلاّ فعذابات الشعب لن تباع في سوق الكساد، وتضحيات الشهداء العظام لن يتبناها عبيد الإفرنجي...!
جاءت كلمة أبو مازن بعد الورقة (المولود) التي أتحفنا بها (الإفرنجي) بوش حيث وعد كما وعد سابقاً بدولة فلسطينية تصاغ وفق اتفاقيات لاحقة بعد جولات من التفاوض يعلم طولها وعرضها وارتفاعها الله وحده، كما وعد بالإشراف على هذه المفاوضات في ولايته، وكرر مراراً حق إسرائيل في الأمن وأكد على وجوب أن تحفظ السلطة أمنها من الإرهابيين (المقاومة) وهو الوصف الذي أجمع عليه – عباس بوش أولمرت- في كلماتهم التي لم تأت بجديد..
لست معنياًّ هنا بالتعليق على الوثيقة التي حكاها بوش لأنها لم تأت بجديد – من وجهة نظري- بل تدل على الفشل الذريع الذي مني به المفاوض الفلسطيني لأن الوثيقة لا يوجد فيها أي بند من البنود التي كان يتشدق بها نبيل عمرو قبيل بداية المؤتمر على قناة الجزيرة! لكن الوثيقة أصبحت بعد نهاية المؤتمر من وجهة نظره غير ذات أهمية، بل الأهمية المطلقة في خطاب أبو مازن!! أرأيتم الكذب واللف والدوران في أخس معانيه!؟
ما أود أن أقوله لأبي مازن والوفد المفاوض إن كانوا يسمعون أو يعقلون أن يتعلموا من صديقهم أولمرت كيف يدافعون عن شعبهم ويروجوا معاناته، ويفضحوا إجرام العدو، بدلاً من التحالف معه ضد 'الإرهاب' الذي أضحى وسام شرف على صدر كل مقاوم شريف، طبعاً هذا الطلب في حال سلمنا أن المفاوض يحمل الهم الفلسطيني!
وبعد هذا.. وقبل انتهاء بقية فعاليات المؤتمر .. يحلو لنا أن نقول للفاشلين الذين هضموا القضية في أنابوليس قولة الناس لمن خرج من الحمام بعد 'استعصاء': شفيتم!! فما تجلبوا لنا إلا ....!
كما يحلو لنا أن نقول للشرفاء والمقاومين... طبتم وطاب ممشاكم، الطريق مفتوح أمامكم لمواصلة جهادكم وقتالكم، فقد سقطت الأقنعة، وبانت سعاد، وعليكم الآن نبذ المطلقات البغايا، لأن شرفكم لا يتبنى سفاحاً ولا ابناً حراماً...!! ولا أريد التعليق أكثر من ذلك على 'شيء' لا يستحق الاستطراد في تحليله..