هل عباس مؤهل لوضع شروط للمصالحة؟

نشر 10 ديسمبر 2012 | 08:48

 

من أسف يصر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على تقديم الدليل تلو الآخر على أنه يأبى إعادة تقييم سلوكه على الصعيد الوطني، ويرفض استخلاص العبر التي يمكن أن تقود إليها أية عملية إعادة تقييم جادة وموضوعية. عباس تجاهل تبعات صمود غزة الكبير وإفشالها آلة الحرب الصهيونية الغاشمة، إلى جانب قيام نتنياهو بإطلاق رصاصة الرحمة على مشروعه السياسي، بعدما أمر بالقضاء على أية فرصة لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية؛ إثر قراره ببناء آلاف الوحدات الاستيطانية في منطقة E1؛ لأن هذا المشروع يقضي على أية إمكانية لربط شمال الضفة الغربية بجنوبها. وبدلاً من أن يتجه بقوة إلى تصحيح مساره على الصعيد الوطني، وانجاز المصالحة، والحرص على الوفاء بمتطلباتها الأساسية، وعلى رأسها التوافق على برنامج عمل وطني، نجد عباساً للأسف يعود إلى ذات الأسطوانة المشروخة والممجوجة، المتمثلة في إصراره على المطالبة بإجراء الانتخابات، وتقديمها على كل مركبات المصالحة الأخرى. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة: عن أية انتخابات يتحدث عباس؟ وهل هو صاحب السيادة الحقيقية في الضفة الغربية، حتى يتحدث عن إمكانية إجرائها؟ وهل يستطيع إرغام «إسرائيل» على توفير الأجواء المناسبة لذلك؟ وهل هو مستعد أصلاً للقيام بما عليه من أجل تسهيل إجراء الانتخابات؟

 

فهل يعتقد عباس أنه بالإمكان أن توافق حماس على إجراء الانتخابات في الوقت الذي ما زال يعتقل قادتها ونشطاءها، ويتم التعامل مع الحركة كتنظيم محظور؟! لقد كان من المؤسف أن عباس لم يجرؤ على الرد بالمثل على إجراءات حكومة غزة، التي قامت بالإفراج عن جميع أصحاب القضايا المتعلقة بالانقسام، علاوة على سماحها بعودة بعض الذين غادروا القطاع من أبناء حركة فتح.

تغيير موازين القوى الداخلية والإقليمية

 

لا يريد عباس أن يصدق أن انتصارات المقاومة وفشل برنامجه السياسي عاملان مهمان، سيجدان تأثيراتهما القوية في موازين القوى في الساحة الفلسطينية. لا يريد أن يقر عباس بأنه يصطف في المربع الضعيف، سواء على صعيد الداخل وعلى صعيد الإقليم، فهو يقف في المربع الذي يوشك على التبخر والاندثار، وعليه استخلاص العبر المطلوبة بشكل صحيح، وعليه عدم الاغترار إن قام حاكم عربي ما بزيارته في رام الله من باب «جبران الخاطر» والتشجيع.

 

على عباس أن يعي أن الكثيرين من وزراء الخارجية العرب الذين زاروا غزة خلال وبعد العدوان الأخير، زاروها رغماً عنهم؛ فقط لأنهم أدركوا أنه لم يعد بالإمكان تجاهل غزة بعد الصمود الأخير والثبات، وعليه البحث عن مصادر القوة الحقيقية. في الوقت ذاته، فإن عباس مطالب بأن يعي أن القرار الإسرائيلي الأخير، يقلص إلى حد كبير من قدرة الأمريكيين والأوروبيين على المناورة في الساحة الفلسطينية. فقد حرصت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي -بتنسيق مع «إسرائيل»- على وضع عدة شروط للاعتراف بأي طرف فلسطيني يتولى الحكم في السلطة، وهي الشروط التي أطلق عليها شروط «اللجنة الرباعية»، وهذه الشروط تتمثل في: الاعتراف بـ»إسرائيل»، وإعلان الالتزام بكل الاتفاقات التي تم التوقيع عليها معها، ونبذ المقاومة بوصفها عملاً إرهابياً.

وشكل رفض حركة حماس والفصائل التي تقع على يمينها الموافقة على شروط الرباعية، مسوغاً لفرض الحصار الدولي على قطاع غزة، كما أن هذه الشروط مثلت قيداً على المصالحة الوطنية؛ على اعتبار أن الأمريكيين والأوروبيين ظلوا يستندوا إلى هذه الشروط لنزع الشرعية عن المصالحة الوطنية. فقد اشترط الأوروبيون والأمريكيون على كل حكومة فلسطينية ستشكل في المستقبل بالتعاون مع حماس قبول شروط الرباعية، وهذا بالمناسبة، أحد أهم الأسباب التي حالت دون موافقة عباس خلال مباحثات المصالحة الوطنية على تشكيل حكومة وفاق وطني، دون أن يكون سلام فياض على رأسها.

 

لكن قبول هذه الشروط كان يفترض أن يسفر عن دولة، ومن الواضح أنه بعد القرار الإسرائيلي بالبناء في منطقة E1، لم يعد أحد يعتقد أنه بالإمكان إقامة مثل هذه الدولة، وبالتالي لم يعد هناك مسوغ أمام الأوروبيين والأمريكيين لوضع الفيتو على المصالحة؛ لمجرد أنها تتعارض مع هذه الشروط، وهذا يفترض أن يكون دافعاً لعباس إلى تحدي اللاءات الأمريكية الإسرائيلية الأوروبية.

 

نحو خطاب جديد

عباس مطالب بإعادة تقييم برنامجه السياسي، ولا سيما موقفه من المقاومة التي عادة ما كان يصفها بـ»العبثية»؛ في الوقت ذاته هو مطالب بتوظيف كل ما لديه من أوراق لتكون أداة نضالية في مواجهة الاحتلال، قبل أن ينفجر الواقع في وجهه. فعلى سبيل المثال لا يوجد مسوغ لعدم استجابة عباس للمطالب التي ترفعها المنظمات الحقوقية الفلسطينية، والمطالبة بالإسراع في توظيف ميزات عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، والإسراع في تقديم شكاوى أمام محكمة الجنايات الدولية ضد قادة «إسرائيل»؛ بسبب تواصل الحصار والجرائم التي ارتكبتها «إسرائيل» ضد الفلسطينيين في آخر حربين شنتهما على قطاع غزة، علاوة على مقاضاة «إسرائيل» بسبب المشاريع الاستيطانية، على اعتبار أن الاستيطان «جريمة حرب». للأسف إن أكثر ما يثير الإحباط في سلوك عباس حقيقة أنه يتجاهل قراءة المشهد كما هو، وتقييم القرار الإسرائيلي الأخير بوصفه يغير البيئة الاستراتيجية للصراع. فـ»إسرائيل» بعد قرار البناء في منطقة E1تقول بشكل واضح إنه قد أسدل الستار على خيار حل الدولتين؛ وهو الحل الذي سعت آخر ثلاث إدارات أمريكية لتسويقه لدى العرب، والذي وجد تعبيره في عدد من الصيغ والخطط، كان آخرها خطة «خارطة الطريق».