لأنها أمي..

نشر 08 ديسمبر 2012 | 10:29

 

قدر لأمي ان ترى ( الحرب ) في حياتها مرات ومرات .. بعض الفلسطينيات راين حروبا طاحنة ، تطايرت – امامها – اجساد كان أصحابها يملأون عليه الحياة حبا واملا وسعادة .. كانت لبعض اولادها او لأبيها أو امها .او..رأت الخوف فارغا فاه – ليبتلعها – [انياب من قضبان جهنمية ، فشردت بل تشردت .. اجبرتها الحرب ان تترك بيتها ، بلدتها .. حاكورتها .. ألجأتها الى الكهوف آنا والى الوديان .. ونامت – كما كانت تقول امي – بين السماء والطارق _ .. شربت المياه الآسنة التي تعفنت ، وولغت فيها الكلاب ، وبالت فيها ( الذئاب والضباع ).

 

واكلت اوراق الشجر ، ولعل الانكى من كل ذلك ، ان يتعلق ( بذيلها ) صغارها في كل ذلك .. فتطحنها مخاوف مخاوف صغارها وجوعهم وعريهم .. وبطء حركتهم عند الهروب ، ويكاد يكسر ظهرها ما تحملهم عليه من أجسادهم النحيلة ، وعلى كتفيها وخاصرتها ، بينما تحمل على راسها سرة أسمالهم واشيائهم المهترئة ، وفتافيت يابسة من الخبز التي سرى اليها الفطر بألوانه المتباينة .. جرى ذلك لأمي في أول اللجوء ، ثم العدوان الثلاثي .. رأيت امي وهي تلبس المرقعات ، ووجه شاحب قد حفرت الاحزان فيه اخاديد .. تتذكر ما جرى فتنساب دموعها لتختفي في اخاديد وجهها ،ثم تتساقط على صدرها قطرات متلاحقة .. كان جسدي مهزولا ، اشاركها الحزن ، فيزداد حزنها لحزني .. فتتبسم ، كنت ارى ابتسامتها أشبه بشمس ظهرت فجأة من بين غمام ماطر .. اضحك بطفولة بريئة واغني ( عيب عليك تمطري ، والشمسية طالعة ) تقول لي امي ( بكرا بتكبر .. وبتصير راجل .. عشان هيك لازم تأخذ الاول ) كان ( الاول ) هاجسا دائما .. لا ترضى لي بغير ذلك .. وما أن صرت في سن الشباب ؛ حتى داهمتنا الحرب .. وداهم امي تلك الحرب المجنونة التي لا تريد ان تتركنا .. رأيت في عينيها رعب طفل امام فهد على وشك الوثوب عليه ، وقد كشر عن انيابه ومخالبه ، بينما شخيره يملأ على الطفل الفضاء .. هي الحرب التي تراها امي واثبة علي وعلى اخي واخواتي .. نسيت نفسها وتملكها الخوف علينا .. زاغت منها بصيرتها .. وإن حاولت ان تبدو متماسكة .. الاخبار تصم آذانها .. مات فلان .. وفلان .. وفلان ... وقصفوا بيت فلان .. كل خبر يزلزلها وتتماسك .. كل قصف لبيت يقصفها ، فتتخيل نفسها وهي هاربة ( بنا ) في البراري وتأوي الى ما بين القبور ( بنا ) .. رأيت امي في غزة ، في الكرامة ( الاردن ) ، ورايتها في تل الزعتر ، وفي جسر الباشا ، ورايتها في صبرا وشاتيلا ، وفي البقاع وقانا ، رأيت امي عندما اجتاح صدام الكويت ، ورايتها في مخيمات اللجوء من قبل الوحدات والبقعة وفي غزة وجرش ... وفي ايلول الاسود .. حتى كنت ارى ايام امي كلها سوادا في سواد .. لم تذق طعم الفرح ، وبعد كل حرب كنت اسأل : كيف استطاعت ان تحفزنا الى النصر والثبات ؟ وكيف استطاعت امي ان تتكاثر ليصبح تعدادنا أحد عشر مليونا ؟ وكيف استطاعت ان تعلمنا ، وقد سجلنا اعلى معدل تعليم بين كثير من الشعوب ، وفي المقدمة الشعوب اليعربية ؟ وكيف استطاعت ان تحفزنا الى النصر والثبات ؟ وكيف استطاعت ان تكفكف دمعها بعد ارتقاء كل شهيد ، لتتحول الى عزيمة وإصرار وحركة ، وجسدت اجيالنا المتعاقبة ؟ واسال : كيف احتملت ان ترى الاشلاء والاجساد المتفحمة في ( الفرقان ) ، بفعل الرصاص المسكوب ، والفسفور الابيض ، ثم تحول كل تلك الآلام واكوام الفحم الى جراد وياسين وm75وفجر 5 ، لتضرب بها وجه ( تل ابيب ) المجرم القبيح ؟ واسال : كيف استطاعت امي ان تطيح بباراك القاتل المغرور ذي الاوسمة ، وتدوس بحذائها الذي مل من إصلاحه ( إسكافي ) بلدتنا ، ووجه تسيفي ليفني عميلة الموساد الساقطة القذرة ؟ وكيف استطاعت ان تحول ثقافة الهزيمة الوافدة الينا عبر ازقة اوسلو النتنة وصحائفها السوداء الى ثقافة نصر وكرامة ؟ وكيف استطاعت ان تربي " ايمن الشراونة " على هذا الاصرار الاسطوري على الموت بشموخ رافضا الذل الذي اراد ان يضربه عليه الانذال ؟ وكيف استطاعت ان تودع احمد الجعبري بكبرياء ؟ وكيف وكيف وكيف وكيف ؟ ويبقى الجواب في صدر أمي ؛ الذي لا يزيد عن كلمة واحدة لأنني ام فلسطينية فهل لأي واحد من الهمل أن يحط من قدر أمي ؟.