نشرت صحيفة الجارديان تقريراً حول العدوان الأخير على قطاع غزة ،قالت فيه أن حركة حماس الرابح الأساسي في هذه الجولة، وأن المقاومة في الضفة الغربية أخذت دفعة جديدة ، وان الرئيس المصري محمد مرسي أيضاً هو الرابح في هذه الحرب ، وأن خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس أصبح يحل ضيفاً كبيرا في مصر وقطر، وأن حماس التي كان ينظر لها كحركة إرهابية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي وإسرائيل أصبح لها اليوم أصدقاء عرب كثر من عدة دول ومؤثرون أكثر من غيرهم من الدول السابقة.
ما من شك بذلك ولابد من الاعتراف بأن التحالفات الإقليمية الجديدة وضعت حركة حماس في موقع جديد في السياسة الدولية ، فالتهدئة التي أوقفت العدوان الإسرائيلي على القطاع فتحت أبواب الاعتراف الدولي والإقليمي بحماس سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ، وكما كسرت الحرب الحصار على غزة على المستوى العربي والإقليمي من خلال توالي زيارات المسئولين العرب ، ساهمت بتغيير قواعد اللعبة وفرض شروط جديدة في المنطقة والعالم ستكون حركة حماس أحد أطرافها الأساسية .
على الصعيد الإسرائيلي استطاعت حماس فرض شروطها بقوة خلال المفاوضات التي جرت في القاهرة خلال أيام العدوان بدور ورعاية مصرية ، وإرسال موفد إسرائيلي للقاهرة لهذا الخصوص كان اعتراف إسرائيلي بأن حركة حماس رقم صعب لا يمكن تجاوزه في الحرب والسلام .
أما أمريكيا التي كانت تضع حماس على قائمة المنظمات الإرهابية ، اضطرت وزيرة خارجتها لزيارة القاهرة للوصول لاتفاق هدنة،علما منها بالعلاقة الايجابية بين مصر الجديدة وبين حركة حماس وفصائل المقاومة في غزة.
غزة بعد الحرب وضعت خارطة طريق جديدة مفتاحها بيد مقاومتها ومن يريدها عليه أن يطرق بابها ، فمعركة حجارة السجيل بينت أن حماس وغزة ومقاومتها أصبح لها حاضنة جديدة ترعاها مصر ومجموعة من دول ثورات الربيع العربي ، على خلاف العهد السابق الذي كانت حماس تعتبر ضمن محور الممانعة (إيران،سوريا،حزب الله) كما سمي آنذاك.
انتقال حماس إلي المحور الجديد المتمثل بمصر وقطر وتركيا لا يعني بأي شكل من الأشكال كما يدعي البعض أن حماس غادرت محور الممانعة إلى محور الاعتدال، فالحقيقة التي لابد من توضيحها أن حركة حماس لم تغادر محور ولم تنضم إلى محور ، حماس لا تقبل سياسة المحاور أساسا، وهي حركة مقاومة فلسطينية مارست دورها الطبيعي في مقاومة الاحتلال ، لكن التحول حصل في الطرف الآخر ، ولن يحصل في حماس كحركة مقاومة ، وباعتقادي أن حماس لا تزال تربطها علاقة جيدة في إيران وحزب الله ، وكما ذكر السيد خالد مشعل في مؤتمره الأخير بالقاهرة بوضوح تام ، وفي المقابل أعتقد هناك إشكالية ما تزال قائمة بسبب الأزمة السورية ، لكن بعد أن تنجلي بشكل أو بآخر ربما تعود حركة حماس للعمل في سوريا بشكل أكبر وأقوى.
حتى وان قال البعض أن لدى حماس تعارضات أو تقاربات لمحور دون آخر ، فهذا غير صحيح ، حركة حماس عمليا كسبت كثيراً في أجواء الربيع العربي مكاسب جديدة وأصبح لها ساحة جديدة للممانعة واحتضان المقاومة ، فلا يوجد أي تعارضات بين محور وآخر .
من جانب آخر مصر الجديدة اليوم هي التي تلعب الدور الأساسي في المنطقة وهي التي ترسم قواعد لعبة جديدة في العلاقة مع أمريكيا والدول العربية ناهيك عن العلاقة مع إسرائيل ، وفي المقابل حركة حماس أصبحت أيضاً لاعب أساسي في الصراع العربي الإسرائيلي بل هي الأساس في ذلك الصراع ، كما أن مصر أيضاً معنية بالالتصاق بموقف حماس والاستناد إلي قوة حماس في المقاومة إلي جانب قوتها السياسية .
حماس اليوم حركة تشكل رافعة مهمة للوبي عربي جديد يتشكل من دول الثورات العربية الجديدة ، حيث أننا أمام تشكل محور واسع داعم للمقاومة لن يقتصر على دول الممانعة السابقة أو دول الربيع العربي بل سيضم كل هذه الدول وأكثر منها .
أما على صعيد الأداء السياسي لحركة حماس بعد هذه التغيرات في المنطقة لابد من توضح أمرين رئيسيين الأول أن حماس في أداء المقاومة العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي تفوقت بشكل لم يكن متوقع أبداً ، وفاق كل التوقعات الإسرائيلية والأمريكية ، وأعتقد أن الانبهار المذهل في التفوق في الأداء والنجاحات التي حققتها حماس في تلك المعركة كان السبب الأساسي في طلب إسرائيل للتهدئة، أما الأمر الثاني هو أن هذا التفوق الكبير أعطى دول الربيع العربي دفعة كبيرة للأمام بأن حماس حركة مقاومة يمكن الاعتماد عليها في ضرب وإذلال إسرائيل في بعض الأوقات .
باعتقادي أن حركة حماس اليوم معنية تماما أن يتوافق الموقف العربي الثوري والإسلامي حيثما كان مع مفهومها للصراع العربي الإسرائيلي ، واعتقد أن إشارات السيد خالد مشعل عدة مرات إلى أن هناك تفكير لدى حركة حماس أن تتغير قواعد لعبة الصراع العربي الإسرائيلي عما كانت عليه سابقا ، ولعل توجهات وزراء الخارجية العرب الأخيرة حتى ولو على ضعفها لكنها كانت مقدمة أولية يمكن البناء عليها في المرحلة القادمة في حال نجحت دول الثورات في تحقيق الاستقرار الداخلي عندها ، ونجحت حركة حماس في أن تصبح الأب الفلسطيني الكبير الذي يقود الوضع الفلسطيني الداخلي وتمكنت أيضاً من إنهاء الانقسام بقواعد سليمة وصحيحة وقابلة للاستمرار .
أما على الصعيد الأوربي وبعد أن شهدت غزة خلال وبعد العدوان زيارات رسمية من وزراء خارجية عرب وشخصيات رفيعة المستوى فإنني أتوقع أن يكون في المستقبل القريب بعض الوساطات من حركات إسلامية أو دول ربيع عربي لترتيب حوارات بين حماس ودول أوربية ليتطور بعد ذلك ويصبح حواراً رسميا وربما زيارات لغزة مستقبلا كما فعلت شخصيات عربية رفيعة المستوى، خاصة في ظل التغيرات الجديدة والبيئة السياسية الجديدة في المنطقة .