هذا الشعار وهو موضوع تسييس المنابر كان الشعل الشاغل والحديث الدائم عنه من قبل الكثيرين خاصةً من علمانيين ويساريين والذين اتهموا الإسلاميين بأنهم يستخدمون المنابر للحديث عن السياسة ثم للتخوين والتكفير ، وبما أن هذه الجهات لا تملك مثل هذه المنابر ولا تستطيع أن تصعد إلى منابر رسول الله شنت حرباً لا هوادة فيها على المشايخ والعلماء فتتبعت السقطات وضخمت بعض الهفوات ولبست الكثير من الكذب والدس والتحريف واختلاق الأقاويل عن العلماء والأئمة .
إلا أن الأمر أخذ بعداً آخر كبيراً وخطيراً في الضفة الغربية بعد الإنقسام والإنقلاب على نتائج الإنتخابات التشريعية وبعد تشكيل حكومة الطوارئ برئاسة سلام فياض بدأت حملة شعواء لا هوادة فيها ضد المساجد وضد الأئمة من قبل هذه الحكومة تمثلت في إعلان حالة حرب على بيوت الله ابتداءً من منع تلاوة القرآن في المساجد ومروراً بنقل الأئمة وأصحاب الكفاءة إلى مناطق بعيدة أو إلى وظائف إدارية أو إحالتهم إلى التقاعد ثم جلب أئمة جدد من أصحاب الخبرات القليلة ليعتلوا منابر رسول الله ، ولعل أخطر ما في الأمر هو موضوع الخطبة المحددة حيث يتم إلزام الأئمة بخطبة موحدة في كل مساجد مدن وقرى الضفة الغربية وهذه الخطبة تصدر عن الوزير مباشرة في كل يوم جمعة وكل إمام يخالف يتعرض للمسائلة مما أدى إلى قتل الإبداع وتحويل ائمة وخطباء المساجد إلى ناطقين رسميين بإسم الحكومة وإلى مبررين لسياستها ، بل تحولت المساجد إلى حبل غسيل ينشر عليه كل التعميمات التي ترغب الوزارات المختلفة في إيصالها للجمهور مما أدى إلى تمويت الموضوع وعدم معالجة المشاكل التي تنشأ في كل قرية أو بلد مما فاقم الأمور فأصبحت خطبة الجمعة تقليداً وأحياناً عبئاً على المستمع يهدف منه إلى اسقاط فريضة الجمعة وكفى .
ومنع خير كثير كل ذلك أدى إلى خوف الناس من قول كلمة الحق وإلى تدخل الأجهزة الأمنية بشكل مباشروسافر في معاقبة الأئمة الذين يخالفون أو معاقبة من يتجرأ ويلقي درساً أو موعظةً مما كان لذلك عواقب وخيمة ففتح الفساد على مصارعه وتعددت أشكاله وفنونه حتى صرت ترى بعض ألوان الفضيلة شيئاً غريباً ونادراً ، ولوحق المتحدثون عن الفضيلة والمنتقدون للفساد والمفسدين بتهمة إثارة الفتنة وإثارة النعرات وأحياناً التحريض على السلطة وربما التخطيط للانقلاب عليها .
لقد ألزم وزير الأوقاف الأئمة بخطب محددة تتعارض مع قناعة الخطيب وقناعة المستمعين مما كان لذلك آثار خطيرة وإشكالات داخل المساجد وأحياناً إهانة الخطيب وإنزاله عن المنبر من قبل الناس مما أدى إلى فتنة أكبر تتمثل في إضاعة فريضة الجمعة ومثل ذلك العميم بمهاجمة الشيخ القرضاوي ومهاجمة حركة حماس والحكومة في غزة ولعل آخر ذلك كان الطلب من الأئمة تأييد الحديث الأخير للرئيس عباس حول موضوع حق العودة وأن فلسطين فقط هي التي احتلت عام 1967 وأن ما تبقى من الأراضي الفلسطينية ليست لنا ولا علاقة لنا بها . وأعتقد أن وزير الأوقاف في واد والشعب الفلسطيني كله في واد فإذا ظن يوماً أن هذا الشعب قد تنطلي عليه العبارات المنمقة من خطب رنانة هنا وهناك وأن خطته قد نجحت في إلزام الناس فيما يراه ويعتقده فعليه أن يراجع حساباته وقبل فوات الأوان ، ذلك لأن كل المعطيات في الساحة العربية والإسلامية تشير بوضوح أن المرحلة القادمة هي مرحلة الشعوب وأن عهد الفئوية والانتقام للنفس والهوى وفرض ما يراه الحاكم بالقوة على الناس قد ولى من غير رجعة ولعل ما جرى في دول الربيع العربي وما يجري الآن في سوريا وغيرها رسالة صارخة وقوية لمن يريد أن يسمع ويتعظ ويعي والشعب الفلسطيني يرقب مايحدث بصمت وليس بعيدا عن ذلك . إن عهد ( استحمار الشعوب ) قد أصبح من ورائنا وأن الاستهتار بمشاعر الناس وبدينهم وبعقيدتهم وبعاداتهم وبتقاليدهم حتماً سيرتد إلى المستهترين .
إن منابر المساجد لها قدسيتها ومكانتها في شرع الله ولها طابعها الروحي والإيماني وإن العبث برسالة المسجد وفي رسالة المنبر وتجيير هذه المنابر لصالح فئة أو لون سياسي أو شخص لن يكون على الدوام في صالح أصحاب القرار الذين يحتكرون هذه المنابر . وإنني هنا أدعو وزير الأوقاف شخصياً بصفتي مواطن ألمس الفرق الكبير والتراجع الخطير في دور المنابر وفي دور العلماء والأئمة أن يرفع يده عن الدور الإيماني والعقائدي وحتى السياسي النقي المتوازن الذي تؤديه المساجد بعيداً عن الهوى وعن سياسة فرض الآراء والانتصار لفئة على حساب أخرى ، وإطلاق العنان لخطباء المساجد لمعالجة ما ينشأ من مشاكل وهموم في قراهم ومدنهم ومخيماتهم بعيداً عن المراقبة ومتابعة الأجهزة .كما ادعوا الدعاة واهل العلم الى أخذ دورهم الطبيعى في التصدي للفساد المستشري وتوعية الناس في كل ما ينبغي من امور دينهم ودنياهم ، هذه الرسالة التي كانت تؤدى حتى زمن الاحتلال وهي رسالة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر . ان الشمس لايمكن أن تغطى بغربال وان الحق واضح ابلج مهما تعامى المتعامون عن رؤية الحقيقة فان ما سوى ذلك سراب بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً ..