لقد سقطت بقايا تلك الأقنعة 'الزائفة' التي حاول 'الأوسلويون' طويلاً أن يتقنّعوا بها أمام شعبنا الفلسطيني، فتارة يلصقون أنفسهم بنضالات عفا عليها الزمن، وتارة يتباكون على مصلحة الشعب العليا، ويذرفون دموع التماسيح 'حزناً' على ما حلّ بشعبنا من حصار 'وتكريس للانقسام'، وقد نسوا أو تظاهروا بالنسيان أنهم هم أدوات هذا الحصار والانقسام وهم الذين قدّموا خدمة للصهاينة لم يقدّمها أحد من قبل، فكم كان يتمنى الاحتلال أن يسحق الشعب الفلسطيني عن بكرة أبيه، لكنه تريّث قليلاً وحاول الهروب للأمام - بعد أن أفهمته المقاومة رسالة التحدي والصمود الأسطوري- فما كان من الصهاينة إلا أن يقولوا 'صبراً لعل الله يخرج من أصلابهم من يصافحنا ويعانقنا ويقوم بجزء من أعبائنا !! ' وقد كان لهم ما أرادوا.
فمنذ 'استقدام' السلطة إلى غزة والضفة قبل منتصف التسعينيات من القرن الماضي، بدأت الحرب الشعواء ضد التيار المقاوِم في فلسطين، ولم تتورع سلطة أوسلو عن أي شيء، ففعلت كل كبيرة وصغيرة وارتكبت كل خطيئة ورذيلة، ولم تدع مجالاً للعودة إلى مربع الثقة بين أبناء الشعب الواحد، ووصل الأمر إلى تجريم المقاومة ومحاكمة المقاومين، فهذا الشهيد القائد محمود أبو الهنود – الذي تمر علينا في هذه الأيام ذكرى استشهاده - يطارده الاحتلال في عصيرة الشمالية، فيفرّ بنفسه مصاباً مطارداً إلى نابلس فتودعه أجهزة أمن أوسلو سجن نابلس المركزي، ويحاكَم ويصدر ضده حكمٌ بالسجن اثني عشر عاماً !! فيقصف الاحتلال السجن ' بطائرات الاف 16' !!
يمكن لأي عاقل أن يختصر تاريخ 'أوسلو' الأمني في قصة أبو الهنود رحمه الله، وحتى لا نُتّهم بفتح ملفات الماضي، فلنقترب من الحاضر الذي يدمي القلب أكثر، فها هي 'سلطة دايتون' (الاسم الحديث لسلطة أوسلو) أدخلت في قاموس الوطنية بنداً جديداً وهو تسليم أي صهيوني مسكين يدخل إلى الضفة الغربية ' بطريق الخطأ' لأن هؤلاء جيراننا ولا يجوز أن نجرح شعورهم، بل قال رئيس حكومتهم عن تسليم الجنود : هذا عمل وطني شجاع !!، ويتباهى آخر: 'بأننا نلاحق خلايا حماس في الضفة وننزع سلاح شهداء الأقصى وكل الفصائل، وسنستمر في ذلك، وجنودنا 'المخلصين' لا ينامون الليل وهم يؤدّون واجبهم !!'
وليس آخرهم الذي قال بالأمس القريب: ' نقوم بحل كل الأجنحة المسلحة التابعة للفصائل والحركات الفلسطينية وفي مقدمها كتائب الأقصى وكتائب القسام'. و زاد على ذلك بأن 'المقاومة خلال السنوات السبع كانت كارثة على القضية الفلسطينية'.
أي انحطاط في القيم الوطنية وصل إليه هؤلاء، وعن أي قضية فلسطينية يتحدثون؟ وما هو معيار الوطنية عندهم؟ هل الوطنية هي تسليم سعدات من سجن أريحا للاحتلال؟ وهل كان سجنه من أجل حمايته؟ أم أن الوطنية هي تسليم من في سجن بيتونيا من المجاهدين للاحتلال، أم تسليم 'خلية صوريف'؟! وغيرها حدّث ولا حرج. أما الوطنية الحديثة فهي عقد دورات أمنية مشتركة مع شرطة الاحتلال !، وزيارة الجنرال دايتون لنابلس - و هو صاحب الخطة الصهيوأمريكية لضرب المقاومة.
وكأننا قد حررنا فلسطين والمسجد الأقصى من دنس الصهاينة وأقمنا الدولة ولم يبق إلى مساعدات فنية نستجديها من الاحتلال الغاصب لأرضنا و من أمريكا راعية الإرهاب والبطش في العالم. لقد أصابت كتائب القسام وقدمت هديّة تاريخية للشعب الفلسطيني حينما حسمت أمر المهزلة في قطاع غزة وألقت بهذه 'النماذج الوطنية الفريدة !!' إلى الضفة الغربية، فهناك يستطيعون أن يتمتعوا بحرية أكبر في الحركة والحماية من قبل شريكهم الصديق 'أولمرت'، وعندما يضيّق الشعب ومقاومته الباسلة عليهم الخناق فلن يحتاجوا إلى حاجز 'ايريز' ليفرّوا إليه، بل ستستقبلهم بوابات 'تل أبيب'، ليعيشوا مع أمثالهم فهناك 'أنطوان لحد' الذي قال لصحيفة 'معاريف' الصهيونية في 18/6/2003م : 'في فرنسا يصفونني بالإرهابي، وفي الدول العربية ينظرون إليّ كخائن، فقط هنا يمكنني البقاء'، وكان في حينه ينوي فتح مطعم في تل أبيب لبيع الحمّص.
لكن العجيب أن العميل المشهور'أنطوان لحد' أيضاً يعتبر نفسه - في كتابه 'من قلب العاصفة' – وطنياً شريفاً وبطلاً، وهو غير نادم على خمس عشرة سنة من خيانة وطنه على الحدود الجنوبية للبنان!!
ختاماً... كلمتنا لشعبنا مقتبسة من وصيّة الشهيد القائد محمود أبو الهنود حيث قال فيها :' يا أبناء شعبي الحبيب : الثبات الثبات ، والصبر الصبر مزيدا من التضحيات مزيدا من الالتفاف حول راية الجهاد، فمن طلب الحسناء لم يغلها المهر ، فأرضكم ومقدساتكم وأعراضكم لن يحميها ولن يذبّ عنها هجوم الأعادي إلا عزائم وهمم أبنائها وفتيانها النشامى الذين شمروا عن سواعدهم ووهبوا أرواحهم رخيصة في سبيل عزة وكرامة ورفعة أمتهم ودينهم وشعبهم '.