كنت أعيش في العام 2012.. في زمان تغيرت فيه الألوان، وتبدلت النوايا الحسنة بأخرى من مثيل القِطران، وفي تلك اللحظات أبصرت من موقعي حديقة يعيش فيها الطائر الجارح والوحش المفترس، كما يسكنها الأسد والأفعى وغيرهم من الحشرات التي لا يراها الإنسان، لكنه يسمع صوتها كلما أرخى الليل ستاره، فتزعجه وتسرق النوم من بين جفونه.
ملك الغابة
ذات يوم كنت في زيارة لتلك الحديقة، فقد بلغني أن سكانها انتخبوا الأسد زعيما وقائدا لهم في مرحلة يدركون صعوبتها وخطورتها.. وبينما كنت أتواجد بينهم وقف الأسد فيهم واعظا يرسم معالم مرحلته، وأخذ يوصيهم ويقول لهم: إن سكان الغابات المجاورة لنا يتربصون بنا.. لا يغيب عن بالكم بأن “الذئب” الذي يسكن في الغابة المجاورة لنا لا يزال يسيطر على جزء كبير من غابتنا، وهو باستمرار يتربص بكم وينال من أي واحد منا يبتعد عن المجموع، فكونوا متحدين تكونوا أقوياء في مواجهته وتُفشلوا مخططاته.
كنت أتابع المشهد بشغف وأخط بقلمي ما يقول الأسد، وأنا على قناعة بأن المصاعب في طريقه ستكون أكبر من مواجهتها منفردا لوحده، فما تحدث عنه في خطابه وبدأ يمارسه على الأرض لن يرضِ جاره الذئب.
وتمضي الأيام تباعا، وكلما تعرض الأسد لهجمة من الذئب أو حلفائه داخل “غابة الأسد” خرج منها بأقل الخسائر، فخطواته واثقة ومطمئنة يعززها التشجيع من غالبية من يسكنون تلك الغابة، فهم يشاهدون الخطوات التي يسلكها زعيمهم الأسد في سبيل انتزاع أجزاء غابتهم واسترداد بيوتهم التي يسيطر عليها الذئب منذ عقود من الزمن.
وعلى الرغم من منجزاته الكبيرة، إلا أن الأسد كان يجلس في كل ليلة حزينا حينما كانت تصله الأخبار بانتقادات لاذعة من حشرات تسكن معه نفس الغابة وتتقاسم معه لقمة العيش ذاتها.. الحزن يتسلل إلى صدره من أفعالهم، فقد وضعوا يدهم في يده ذات يوم وأخبروه أنهم سيكونون معه في معاركه وتحركاته ضد الذئب، وهو الذي أوصاهم أن ينصحوه ويهمسوا في أذنه كلما وجدوه حاد أو ابتعد عن مشروعه الإستراتيجي، غير أنهم لم يكونوا أوفياء بالوعد الذي قطعوه على الأسد في أيام الميسرة.
وذات يوم جلس الأسد برفقه مستشاره وأخذ يتحاور الاثنان بشأن هذه الانتقادات الهدامة، فأخذ الأسد يشكوا لمستشاره: لماذا يقوم إخواني من الحشرات بانتقادي أمام جمهور الذئب؟ هل طرقوا بيتي ووجهوا لي النُصح والإرشاد؟ هل سألوني عن السبب الذي دفعني للقيام بخطوة كتلك التي سلكتها خدمة لأهل بلدي؟ أم هو الشيطان الذي يعينهم علينا وعلى مشروعنا؟ ألم يعلموا أن من يحرسون الغابة ضبطوا الكثيرين من الذين يبثون الشائعات ويقوموا بترويج الأكاذيب بناء على ما يتناقله البعض من أبنائنا الذين لا حديث لهم سوى انتقادات؟.
هز المستشار رأسه وعدَل من جلسته ونظر إلى الأسد وأطلق تنهيدة كبيرة وترك العنان لشفتيه للتحرك: آن الأوان أن يتم وقف من يوجهون النقد في العلن عند حدهم؟ كفى مسامحة ومغفرة لهم؟ آن الأوان أن يعرفوا مقدارهم ومستواهم: أليسوا من عاهدوك على أن يكونوا معك ومن قومك؟. إن الذي يكون معاهدا لشخص أو مسئول ينبغي أن يكون مُطيعا له ما دام يراه لا ينحرف عن الطريق الأساسية التي اتفق عليها وجماعته.
كنت أتابع حوار الأسد ومستشاره، فحدثت نفسي: إن الذي تدور أحداثه في الغابة تماما مثل الذي يجري في فلسطين.. آن الأوان أن نرى مستشارا حازما، تكون له كلمة الفصل والنصيحة الصادقة في الزمان والمكان المناسبين.. لكني رفعت نظري إلى السماء وأخذت أقارن بين الأسد والحشرات، وقلت في نفسي: وهل تصل الحشرات بحجمها وإن علا صوتها وازداد ضجيجها، إلى الأسد بعنفوانه وقوته!!.