1- مدخل
ربما لم تجد ثورة من ثورات «الربيع العربي» من التشكيك والاتهام والتردد في احتسابها من ضمن ثورات «الربيع العربي» مثل ما وجدت الثورة السورية، مع أنها في واقع الأمر أجدر ثورة بهذا الانتساب إلى «الربيع العربي»، والاحتساب أنها زهرة الزهرات في ثورات «الربيع العربي»، وأنها أعلى الثورات وأشرف الثورات وأكثرها تضحية، وهي تواجه أعتى الطواغيت وأشرس المسؤولين، بل أذهب أبعد من ذلك إلى القول إنها ثورة تواجه تآمراً عالمياً كونياً طائفياً شيطانياً، وتواطؤاً صهيونياً أمريكياً، وإلا فما الذي يجعل نظاماً فاسداً طائفياً مهترئاً ثار عليه كل مدنه وكل أريافه وبواديه وأطيافه المجتمعية، باستثناء قلة قليلة منتفعة مستفيدة، ما الذي يجعل هذا النظام لا يهوي إلى الأرض حتى الآن، ولا يهرب مثلما هرب بن علي، ويتنحى مثلما تنحى المخلوع؟! إن أمريكا التي تعطيك من طرف اللسان حلاوة تروغ منك كما يروغ الثعلب، وتمنع بمنتهى الشراسة التسليح الجدي للثورة، حتى من عيار «آر بي جي»! كل ذلك؛ خشية على نظام «إسرائيل».
و»إسرائيل» التي تحرك العالم تعلم أن لا حارس لها مثل هذا النظام، الذي استأذن «إسرائيل» في إيقاف حراسته لها في الجولان؛ لاضطراره إلى سحب قواته إلى الداخل، والتخلي مؤقتاً عن حراسة «إسرائيل» حتى يفرغ من شأن الداخل، وما هو ببالغه، أي هذا الحلم البعيد، بل هو الذي سيفرغ منه، فأذنت له «إسرائيل»؛ لأنها تتفهم ضروراته!
2- ما ذرائع المتشككين؟
يحاول الإنسان أحياناً أن يفلسف الأشياء ويمنطق اللامنطق، ومهما اصطنع من مبررات وذرائع يقنع بها نفسه، أو يخدع بها نفسه بالأحرى، ويحاول أن يقنع بها الآخرين، أو يسوغ بها أخلاقياً فعله اللاأخلاقي، أقول برغم كل هذا الجهد والاجتهاد في مخادعة الذات، فإن الإنسان كما قال القرآن: (بل الإنسان على نفسه بصيرة)، والحقيقة لا تتغطى بغربال ولا تغطى!
أما أول الذرائع فأنَّ سوريا تتعرض إلى مؤامرة، وهذا كلام متهافت أن تخص سوريا بنظرية المؤامرة، فكل بلد عربي حتى الأنظمة الضالعة مع أمريكا و»إسرائيل» -مثل نظام مبارك وغيره- فإنها كانت وما زالت تتعرض إلى مؤامرة ضخمة. وما الذي يجعل أطفالاً أقباطاً في سن التاسعة والعاشرة يحاولون تدنيس القرآن! وأصوات قبطية أخرى متصلة بأمريكا –التي يعبدها مبارك وفلوله- تطالب بدولة قبطية منذ ما قبل سقوط مبارك وبعد سقوطه. لا يمنع المؤامرة أن يعمل البلد جاهداً في خدمة المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة، لا يمنع ذلك من استمرار المؤامرة، وهل قصّر عباس في خدمة الأنجاس فلماذا يحاولون استبداله؟!
هذا الشعب الإسرائيلي يتآمر على ذاته إن لم يجد من يتآمر عليه! أما النظام السوري فأقرب مما تتصورون إلى النظام في «إسرائيل»، وهي أحرص عليه من كل ما تتخيلون!
وحتى حزب الله الذي كان مشروع مقاومة، كان كل الشعب العربي يحترمه، حتى تكشف عن مشروع طائفي، فانفض الناس عن تأييده.
أقول حتى حزب الله فإنه منذ 2006 لم يخض مواجهة مع «إسرائيل»، وحتى المواجهات فإنها كانت بالتخطيط الإيراني منضبطة محدودة في حدود «الخرمشة» لا كسر العظم، ولماذا لعب حزب الله مع أطياف المجتمع اللبناني الأخرى بمنعها من المقاومة، ما لعبت الأنظمة العربية مع الشعب الفلسطيني بتجريده من سلاحه سنة 48 ومنع مقاومته فيما بعد؟ وهل المقاومة حكر وحق على طائفة، أو لطائفة حرام على بقية الطوائف؟ فمن شرع هذا ومن سن سنة هذا؟
فحكاية المؤامرة هي بحد ذاتها مؤامرة، فأن يبادر قرابة الخمسين ألفاً من الشعب السوري إلى منع المؤامرة، وهل أضخم مؤامرة على سوريا كانت تحلم بأكثر من هذا؟ هل تحلم أعظم وأضخم مؤامرة بتدمير شامل لسوريا كالذي فعله بشار الأسد؟ لا والله إنه لا يدور بخلد «إسرائيل» أو أمريكا أن تفعل بسوريا، ما فعل الرئيس الذي يريد أن يمنع عن سوريا المؤامرة الكونية! ما جرى باسم منع المؤامرة هو المؤامرة.
وهل مؤامرة بعد القتل والتدمير الممنهج والتهجير لقرابة مليون سوري، وبعد الاغتصاب الممنهج كذلك لكسر إرادة الشعب، هل مؤامرة أضخم من هذه المؤامرة؟!
وهل إثارة الحرب الطائفية التي لا تبقي ولا تذر مؤامرة أم مانعة للمؤامرة؟ وهل تسليم الأكراد السلطة في شرق سوريا؛ وبالتالي تمزيق وحدة الوطن السوري مؤامرة، أم خطوة لمنع المؤامرة؟
وهل تحول الشعب السوري فجأة إلى متآمر على بلده، عدو لها، غير منتم لأرضه ووطنه وتاريخه وجغرافيته، وهو الذي منه انطلقت إلى باقي العالم العربي روح الوطنية والعروبة؟! هل هذا الشعب تحول فجأة إلى عميل للجهات الخارجية على وطنه وشعبه وذاته ومستقبله، أم المتصور والمعقول أن النظام هو الذي يتآمر؛ لأن المطالبة بالحرية واختيار الحاكم تمسه في الصميم، وتنهي النهب والفساد الذي كان يمارسه ضمن إدارات العالم العربي؟ ولماذا لا نقول إن الشعب اليمني كان يتآمر على ذاته، طالما أراد إسقاط الفاسد غير الصالح علي عبد الله صالح؟
ولماذا ليست ثورة الشعب في مصر وتونس مؤامرة خارجية على الذات، وسوريا بالذات هي البلد الوحيد الذي ثورته من دون الثورات مؤامرة على الذات؟!
علماً أنه كما قلنا في أول هذه الكلمات فإن الثورة السورية أنقى وأطهر الثورات، وأوجبها على الإطلاق، فلئن كان تغيير مبارك العفن الفاسد واجباً، فإن تغيير الأسد الطائفي المرتبط بمشروع كبير طائفي تكشف من خلال مقاومة المقاومة، وممانعة التغيير الثوري، والصد عن سبيل الله شعباً يريد أن يعبد الله ويتحرر ليقيم دين الله، فما لكم يا هؤلاء كيف تحكمون؟! ما لكم لا ترون المؤامرة إلا في البلد الذي هو الأبعد عن مؤامرة شعبه، والأقرب إلى المؤامرة نظامه؟
هذه الشعارات الجوفاء تكشفت عن لا شيء: الممانعة والمقاومة والكلام الفارغ، أيُّ مقاومة وطيلة أربعين سنة من حراسة احتلال اليهود الجولان، ومنع المقاومة منها، أيُّ مقاومة هذه؟!
وهل روسيا التي يقودها بوتين وميدفيديف اليهوديان حريصة على دعم المقاومة؟ ألم تقف روسيا باستماتة إلى جانب أحقر مخلوق على سطح الأرض معمر القذافي؟ فهل كانت في وقفتها تلك تدعم الممانعة والثورة والمقاومة؟
ومنذ متى وإيران التي دمرت العراق واغتالت علماءه، وتعاونت مع أمريكا في احتلاله، وهي التي أسهمت في احتلال أمريكا أفغانستان، منذ متى وإيران تدعم المقاومة والممانعة؟
ألم يقف أبو بشار مع أمريكا في حرب 90؟ فأين اختفت روح الممانعة والمقاومة؟
وهل عندما دمر حافظ مدينة حماة دمرها لعيون المقاومة؟ وهل من إساءة إلى الشعب الفلسطيني أشد من أن ينسب إليه التسبب في دمار بلد عظيم كسوريا، وتهجير أهله وتدمير مدنه؟ أليس هذا أضخم إساءة إلى الشعب الفلسطيني؟ ولماذا والنظام في سوريا مستميت في حب الشعب الفلسطيني يقصف مخيم اليرموك الآن، والمتعاونون معه من «أمل» ارتكبوا مجزرة صبرا وشاتيلا الثانية؟
ومن ارتكب مجزرة تل الزعتر يا من أنتم بلا ذاكرة؟ وإليكم هذه اللقطة على لسان شارون عندما صدر زمن حكم بيريز، تقرير يدين شارون بعملية صبرا وشاتيلا، فقال قبل أن يدخل في غيبوبته التي سينتقل منها إلى جهنم مخلداً، قال: «تعيبون عليّ صبرا وشاتيلا! أليس بيريز ارتكب مع الأسد مجزرة تل الزعتر؟».
وهل تظنون أن مؤامرة تستميت في مقاومة طيران ودروع وصواريخ ومدفعية وجيش نظامي عديدة عشرات الألوف إن لم يكن مئات الألوف؟
إنما المتصور أن يستميت نظام يحلب البلد والشعب وينهب الثروة في الدفاع عن مكتسباته، ومن بعدي الطوفان وفق قاعدة كررناها ألف مرة: «إما أن نديرها وإما أن ندمرها»! هذا شعار العالم العربي الرسمي المفضل! فأين العجب من تدمير الأسد بلده؟ إنه جزء من منظومة الإجرام، وجزء من تجربة متكررة عشناها وعايشناها منذ بدء ثورات «الربيع العربي»، ورأيناها قتلاً في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، فلماذا تستثنون الأجرم والأكثر تآمراً وضلوعاً في الطائفية التي عودتنا حقداً معتقاً، أسود دفيناً عبر التاريخ؟!
وبعد، فإن بعض المتشككين من المشككين، والبعض الآخر يكتفي بالتشكك لنفسه ولا يشكك، فهما يتنافسان من الأسوأ موقفاً من ثورة الشعب السوري، ولا ريب أن المشكك أسوأ، ونحن نخاطب بهذه الكلمات في هذه المقالة المتشككين، أما المشككون فشأنهم أعسر، وهم عن رؤية الحق أبعد، فأولئك يتولى الله فتح عيونهم بقارعة، أو نهاية قريبة لملك الحيوانات!