إذا أرادت الأم تخويف الطفل ولجمه قالت له: اسكت، وإلا أخذتك للدكتور يعطيك إبرة! هنا تلعب إبرة الطبيب، ليست جرعة علاج، وتخفيف ألم، بل عصا السلطة، وكرباج المخابرات. حين نتكلم عن الديموقراطية يجب أن نستوعب أنها عملية تكاملية من البيت إلى الجامعة ومجلس الشورى. هنا يلعب الطبيب دوره كمصدر خوف، وليس تهدئة وأمان. أذكر في صغري حين كان والدي يرسلنا عند الحلاق. كانت حفلة عذاب! يمسك الحلاق (ربما كان المبتدئ الذي يتمرن في رؤوس الأطفال) رأسي بقسوة، ثم يهوي بالماكنية على رقبتي والمقص في قحفي. ما زلت أتذكر ألم الحلاقة في رأسي منذ تلك الأيام. أما الحمَّام فكانت الأمهات في أيامنا حريصات على حمام يجلد به الطفل جلدا من خلال أكياس الحمام. لابد من خروج الجلد فتايل فتايل. كان الحجر الأسود البركاني ضروريا لكشط جلد العقبين. أما الحمام الساخن فكان حفلة من الاختناق. كان يوم الحمام عندنا يوم فوضى وعذاب، فالبيت يجب أن ينظف، والثياب يجب أن تغسل، والجلود يجب أن تسلخ وتكشط بحمام ساخن.
لا أتمنى لأولادي وبناتي حماما وحمما مخيفة من حمام رعب من هذا النوع! أذكر من كتاب الصف الثالث ومعه صورة لحلاق يحلق رأس الزبون، ثم تنطلق عقيرته بسرد الأخبار. كانت الأخبار في أيامنا من تاريخ الحرب العالمية الثانية، باعتبار جيلنا هو جيل ما بعد الحرب الكونية. ينطلق الحلاق كالعادة في الثرثرة، وهو يشير بيده إلى خريطة الحلاقة: هنا هجم الحلفاء في النورماندي، ويمرر بالمقص على الرأس. هنا زحف رومل في صحراء ليبيا ويمرر الحلاق يده على الشعر ماسحا قاطعا. ثم تأتيه نوبة من الانفعال والحماس: وهنا ضرب اليابانيون الأمريكيين في بيرل هاربر (ميناء اللؤلؤ) ثم يهوي بجمع يده على رأس الزبون الذي يولول من هول الضربة! هذه ثلاثة نماذج من أخطاء تربوية فالطبيب يجب أن يكون مكان رحمة، ومصدرا لتخفيف الآلام. أذكر ابنتي آمنة وقد جرحت قدمها، كيف جلسنا معها نشرح لها طبيعة الإصابة، وماذا سنفعل لها. صارحناها بأن هناك قدرا بسيطا من ألم وخزة الإبرة، بعدها ستكون المنطقة مخدرة فلا تشعر بشيء. فعلا حين يتم استقبال الطفل في قسم الطوارئ نرى عينيه وقد جحظت رعبا. أذكر كيف يتم إلقاء القبض على الطفل من أجل الختان. ارتكب أهالينا خطأ حين أخروا الطهور، ويجب أن يتم بسرعة عند الأطفال قبل أن يبلغوا الوعي. أذكر حفلة العملية بكامل وعيي. لقد حاولوا إغراءنا كما يفعلون في صيد حيوانات البرية، ثم ألقوا القبض علينا. وحين أدخلونا العمليات كنا نرفس بأقدامنا ونصرخ بأعلى ما أطلقته الحناجر، كأننا نساق إلى الموت وهم ينظرون. أما الأيام التي تلت العملية فكانت معاناة. خلاصة القول أن الإبرة والختان والحلاقة والحمَّام وعشرات من أمثال هذا للأطفال، يمكن أن تكون مصدر متعة ولذة للطفل، إذا تم شرح كل شيء له؛ فهنا يلعب العمل التربوي دوره في تنشئة أطفال لايرتعبون.