1- مدخل.. سقط النقاب
تكلمت في حلقتين سابقتين عن الفيلم الرديء، السيئ والمسيء. تكلمت في الحلقة الأولى عن الدوافع والأهداف، وفي الثانية عن حجم الإساءة، وناقشت دعوى الحرية التي يختبئ وراءها الغرب ويتخذها قناعاً يخفي مخازيه خلفه، ويخفي تطاوله. وبعد كتابة المقال ونشره كسب الأمير ويليام زوج الأميرة كيت الدعوى التي رفعها على جرائد ومجلات، انتهكت خصوصيته ونشرت صوره وصور أميرته أو زوجته شبه عراة، فحكم القضاء بمنع النشر لانتهاك الخصوصية، وحكم بتعويض جراء ما لحق الأمير من ضرر وما لحق الأميرة، وعال العال. وبلع الغرب دعوى الحرية وشرب وراءها ماء، لكن في قضيتنا التي تطاول فيها سفهاء يهود وعملاء أقباط على أعظم الأنبياء وأعظم الكتب ودين خير أمة أنزل للناس وأخرجت هي للناس، وتحدوا مشاعر مليارين من البشر، في حالتنا نحن حيث تعرضت مشاعر المليارين للأذى واستفزوا إلى أبعد مدى وعرض السفهاء والعملاء مصالح الغرب الحيوية الاقتصادية والاستراتيجية والأمنية والسياسية للخطر، انهزمت قيمة الالتزام وانتصرت قيمة الحرية المدعاة. وابتلع الغرب قيمة كرامة الأمة؛ إذ أساء الفيلم إلى النساء عامة، إذ أساء إلى خير نساء البرية، فأساء إلى كل النساء في العالم عبر الزمان والمكان. ثم دخلت مجموعة سفهاء من نفس الأمة إياها التي صنعت الفيلم وقبعت وراءه، وهي الأمة المحرضة على كل شر وسوء وبلية في الأرض أعني أمة يهود. وهذا الكلام عليه مساءلة قانونية، وقد حكمت لأجل مثل هذه الكلمات بالمنع من دخول أمريكا وكندا وبريطانيا وفرنسا، وجملة دول أوروبا!
أقول: ثم دخلت فرنسا على الخط فأعادت صحيفة صفراء، هناك نشر الرسوم المسيئة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. واستنفرت سفارات فرنسا في مختلف دول العالم، وقالت فرنسا إن مصالحها ستتعرض للخطر كما قالت ألمانيا من قبل، ولكن فرنسا، كما قال أحد كتبة التقارير الإذاعية العرب، لن تعرّض أعظم مكتسباتها للخطر وهي قيمة الحرية! يا سلام! وأقول: أيها الغرب، ويا أمريكا على الخصوص ثم بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولاندا.. إلخ أنتم أكذب الكاذبين إذ تتزينون بزينة الحرية، وتخفون سوءاتكم بعباءتها وإساءاتكم إلى الأديان والأنبياء والشعوب بزيف الحرية. أقول لكم: إنها ليست الحرية، ولكنها العبودية عبوديتكم لليهود ولـ»إسرائيل»، تجعلكم تغْضون عن مصالحكم، وتغضّون الطرف عن مستقبل العلاقات بمليارين من البشر، فمتى تميزون بين الحرية الحقيقية التي لا تعرفونها وبين العبودية لحفنة اليهود! هل أوباما حر؟ فإن كان كذلك فليتكلم كلمة عن المستوطنات وعن تهديد التهويد لمقدساتنا في الأقصى وغيره؟ إذا كان رؤساؤكم عبيداً لليهود يبتزونهم بدعوى الديموقراطية في الانتخابات الرئاسية، فما شأن باقي جمهوركم؟
لقد بلونا حريتكم وابتلينا بحريتكم فما نالنا منها إلا منع الحجاب في دولكم وبلادكم! لا تتذرعوا بالحرية! سقط النقاب عن الوجوه الغادرة.. وحقيقة الشيطان بانت سافرة!
2- ردود الأفعال: ما كان وما ينبغي أن يكون
اشتعل العالم الإسلامي في ردة فعل متوقعة، صادقة غير مفتعلة وغير مبرمجة ولا منتظرة –بكسر الظاء- لفتوى علماء أو غير ذلك. ومن صنع الفيلم يتوقع ما وقع، بل يريده؛ لمآرب في نفسه الخبيثة. وسكتت دول عربية ترعى الدين يزعمها وتنطلق منه وتعظم شعائره كما تدعي، فلم نسمع لها ولا لعملائها ركزاً! وكان أمراً عجيباً مريباً، فهل يتسربلون بسربال العقلانية؟ ومنذ متى؟ وهل إذا مس شخوصهم أعني مسؤولي تلك الدولة كانوا يسكتون؟ فمن كفّر القذافي وكان قبلها لا يتكلم عنه أبداً؟
وسكتت إيران ومعسكرها العربي التابع لها وتكلموا بعد عشرة أيام؛ ركوباً للموجة واستثماراً لها، وتبييضاً لصفحة تسودت وتلونت من دماء الشعب السوري العظيم البريء الذي كل ذنبه وجريمته أنه قام يطالب مثل كل الشعوب العربية بالحرية، ومثل كل شعوب العالم بالديموقراطية، فصبت عليه نار الجحيم من طيران ومدفعية وراجمات ودبابات وصواريخ، وانفتحت بالوعة الدعم الإيراني بلا حدود. وهم الذين كانوا يدعمون المقاومة لنشر المذهب، ولكن يدعمونها بالقطارة من أجل «خرمشة» «إسرائيل» فقط في معركة منضبطة محكومة محددة! محدودة مقننة!
أما الغرب الذي ألغت دوله الرحلات السياحية إلى دولنا وبلادنا، فلم يتكلف بالرد بكلمة لتهدئة النفوس وتطييب الخواطر أو الضحك على الذقون حتى! كل ما تفوه به هذا الغرب خرافة الحرية وأسطورة ألا سقف لها ولا حجر عليها ولا حظر. إذن فليتكلم أي أحد عن اليهود كما يتكلمون عن العرب وعن دينهم ونبيهم وكتابهم! إذن فليتكلم أي أحد عن «الهولوكوست» ولينتقص من الستة ملايين المزعومة ستة أنفار مثلاً. ولقد حضرت في أمريكا قبل أكثر من عشرين سنة من وقف في يوم افتتاح معرض جديد لـ»الهولوكوست» في مدينة أمريكية، وقف يحمل لافتة وهو صامت، فانبرى له مجموعة من اليهود، وانهالوا عليه ضرباً بأسياخ الحديد على رأسه حتى كادت تزهق روحه، وحملوه بين الحياة والموت ولم يعتقل أحد ولم يسأل أحد! هذه هي الحرية.
وفرنسا منعت مظاهرة لنصرة الرسول، فأين الحرية؟ هذا هو نفاق الغرب!
نعود إلى ردود الأفعال في العالم الإسلامي، في أندونيسيا وماليزيا قامت مظاهرات، وفي الهند قام المسلمون بمظاهرات صاخبة، وفي باكستان ركبت الدولة الموجة فدعت هي إلى مظاهرات، وخرج الناس بالآلاف. وفي كل الدول خرجت مظاهرات، ويبدو أن بعض الدول سهلت الطريق لاقتحام السفارات؛ لافتعال مشكلة وإظهار الأمر لأمريكا أنّا حماة مصالحكم، وحراس أمن سفاراتكم. وبعض الدول أرادت اقتحام السفارات؛ تنفيساً للاحتقان، وأعتقد أن النظام السوري سمح بتسيير مظاهرة من أتباعه، لإظهار انتسابه للإسلام وانتمائه إلى الأمة والدين، وهو منها ومنه براء.
أما في ليبيا فقد استغل تنظيم القاعدة الفوضى وانفلات الأمن وعدم استقرار الدولة بعد في اقتحام السفارة لأجندته الخاصة في ذكرى اغتيال بن لادن رحمه الله. وأما التكفيريون العرب فأرادوها موسماً للفوضى العارمة، وتطاول بعضهم على القرضاوي فوصفه بالحاخام القرضاوي الذي يدعو إلى الانضباط وعدم الانفلات. فلماذا تدعو أنت يا أخا التكفير؟! وهل إذا قتلنا السياح الشقر مثلاً نكون نصرنا رسول الله؟ وهل حرق السفارة الألمانية في السودان نصر لرسول الله؟ ومن سيعيد ترميمها؟ إنه نحن ونحن صاغرون! فأين النصرة؟ وبعضهم استهزأ بشعار جميل رفعته النقابات عندنا: انصر رسول الله بأخلاق رسول الله. فقال بعضهم: لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنازل عن حقه، وأما نحن فلا نتنازل عن حقنا في نصرة رسول الله، ولا عن حق رسول الله، وأن هذه الدعوة مشبوهة لأنها تريد التبريد!
إنه موسم أو مولد على رأي إخواننا المصريين ليسير كل وفق أجندته، لا أن نتحد ونسير وراء علماء حكماء راشدين يوجهون المسير، وبعض الكتاب تكلم عن براغماتية القرضاوي وانتهازيته، إذ إنه في وقت الرسوم دعا إلى الغضب العارم، وفي وقت الفيلم وهو أسوأ من الرسوم دعا إلى الانضباط. إذن فهي كما صنف الكاتب البراغماتية والانتهازية للقرضاوي وللحركات الإسلامية، وفي الحقيقة لا تناقض ولا انتهازية. فإذا كان الغضب العارم سيخرج بنا عن العقل، وعن رد الفعل المقنن فهي الفوضى والتخريب. فلنغضب لرسول الله نعم، ولكن لا نقتل ولا يضرب بعضنا بعضاً أمناً ومواطنين، فما الداعي لوقوع جرحى كما وقع في مصر مثلاً أو غيرها وكما وقع في تونس؟ هل ننصر رسول الله بتمزيق وحدتنا؟ وهل تملك الدول إلا أن تحمي السفارات؟ فلتنزل الجماهير إلى الشارع في مظاهرات سلمية راشدة ناضجة منضبطة، ولكن لا خروج عن العقل وأحكامه والدين وأحكامه والمصلحة العليا للوطن والأمة ولا نسيء إلى صورة إسلامنا ولا إلى صورة شعوبنا وهي طيبة نقية كما هو المفترض! وهل يسر اليهود المجرمين إلا هذا؟ أن نشوه صورتنا بأيدينا وأن يظهروا للغرب عموماً أن هؤلاء العرب همج متوحشون، لا يردون على الفكر بالفكر ولا الحجة بالحجة ولا الفيلم بالفيلم! هكذا سيقولون فهل نقع في الشرك الذي نصبوه؟ ونحقق الهدف الذي رسموه؟ هل نمزق مجتمعاتنا بأيدينا؟
فأين الرشد الذي هو من أعظم مطالب الدين، إذ قال في قلب آيات الصيام: (فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)!! والموضوع موصول.