مدخل
تكلمنا في حلقة سابقة عن من يقبع وراء صناعة هذا الفيلم الرديء والسيئ والمسيء، وإنه حتماً لا بد أن يكون من اليهود، لكنهم يجندون بعض عملاء من هنا أو هناك.. لا يهم فالعملاء متوفرون دوماً، إنما العقل المدبر والمفكر هم دائماً.
وتكلمنا عن بعض أهداف الفيلم ومن بينها استفزاز المسلمين ودفعهم إلى رد فعل مرسوم متنبأ به سلفاً، والإيقاع بين القبط والمسلمين ودفع المسلمين إلى مخاصمة أوروبا، وإيقاع الصدام بين المسيحية والإسلام. والآن نواصل الحديث عن هذا الفيلم من جوانب الحدث المتعددة:
2- دعاوى الحرية
كلما أساء اليهود إلى دين أو شعب أو حتى ديانة المسيحيين الذين يعيشون بين ظهرانيهم ويدعمونهم بعشرات المليارات من الدولارات كل سنة، كما صوروا المسيح في أحد أفلامهم بصورة شخص –وحاشاه قطعاً- شاذ جنسياً، ولم تفتح أوروبا فمها بكلمة ولا تكلمت أمريكا. ودعواهم الجاهزة التي بها يتسربلون هي دعوى الحرية.
ورد دعوى الحرية –هذا الغطاء المكشوف- بمنتهى البساطة هو: هل يستطيع أحد أن يصور اليهود بالصورة التي يصورون بها هم غيرهم إرهابيين وجشعين؟ هل يمكن مثلاً أن تعرض مسرحية تاجر البندقية في مسرح ما في بلد ما؟
وميركل تعترف بأن الفيلم سيستفز ملياراً أو نصف مليار من المسلمين، ولا يعلم أحد أين تنتهي ردود الأفعال، ولا حجم الضرر الذي سيلحق بالمصالح الغربية، ومع هذا فإنها لا تستطيع أن تتدخل لمنع الفيلم من العرض بدعوى الحرية!
فلماذا والحرية قيمة عليا عندكم إلى حد أنكم تضعون مصالحكم في مهب الريح وقد يقتل منا ومنكم العشرات (بقطع النظر الآن عن صواب أو خطأ رد الفعل العنيف!) لماذا من أجل هذه القيمة العظمى وهي الحرية تضحون بأغلى مصالحكم ولا يجرؤ أحد من العالمين أن يتغطى بقيمة الحرية هذه فيستهزئ من اليهود أو باليهود، أو يصنع ما صنع روجيه غارودي من مناقشة وثائق الهولوكوست فيحاكم وهو ابن خمس وثمانين ويحكم عليه! أو كما صنع "ارفنج" المؤرخ الإنجليزي الشهير الذي درس وثائق الهولوكوست لمدة سبع عشرة سنة، وهو أستاذ جامعي مجتهد باحث مجد مدقق، فخرج بنتيجة علمية مفادها أنه متعاطف مع اليهود، وأن الهولوكوست حدثت ولكن العدد يحتاج إلى مراجعة! هذه الخلاصة تسببت بسجنه لخمس سنوات وغرامة 5 ملايين باوند إنجليزي (وذلك في النمسا قبل ثلاث سنين).
فما الذي كسف شمس حريتكم وما الذي طمس نورها؟ وما الذي أعمى أبصاركم عن قيمتكم العليا الحرية ففقدتموها؟
وعندما استهزأ هولندي بالعرب رفعوا قضية فردت؛ لأنه لا نص في القانون الهولندي (ولا غيره) يحمي العرب من الإساءة إليهم ويحكم على من يستهزئ بهم! وإذا قيل فلماذا ينص على اليهود ولا ينص على غيرهم؟ وإذا قيل أوليس هذا بحد ذاته عنصرية؟ قيل: هذا هو الوضع القانوني للمسألة وهكذا هي! فدعوى الحرية ساقطة ومصطنعة ومكذوبة ومفتعلة ومدّعاة، ومدْعاة للسخرية! وهي أكذوبة مفضوحة مكشوفة زائفة! وأمريكا التي قتل سفيرها في بنغازي لم تفكر مجرد تفكير في منع الفيلم مع احتمال تعرض مصالحها لخطر شديد! كل ذلك من أجل عيون هذه الحرية المدعاة!
وأخيراً في موضوع الحرية فهذه قيمة عظيمة لا شك لكنها أسيء فهمها، وأسيء استعمالها واستخدامها إذا اتخذت ذريعة للإساءة والاستهزاء والسخرية من الأنبياء والأديان والشعوب. فالحرية المنفلتة عين الفوضى والتخريبن بدلالة تقنينها وضبطها بحق اليهود، فهم يفهمون إذاً أن الحرية المنفلتة عدوان وتجاوز! فلماذا إذا مستنا نحن تعطل الفهم وألغيت الضوابط؟
الحرية المنضبطة هي المطلوبة، لكن الحرية التي تتيح التطاول على الآخرين فهذه ليست حرية وإنما هذه جريمة بحق الآخرين. وحريتك تنتهي عندما تنتهك خصوصيات الآخرين وحرماتهم وعقائدهم وذواتهم.
وبالنسبة لي فقد استخدمت حق الحرية العلمية المنضبطة في الحديث عن مغتصب بلدي ومهجّر شعبي، فمنعت من دخول أمريكا وبريطانيا وفرنسا ومعظم أوروبا! ولم أهزأ ولم أسخر!
هذا هو التمييز العنصري بعينه. وعجيبة هذه القوانين العوراء الشوهاء التي تفصّل على مقاس مجموعة من البشر ولا يكون القانون إلا لحمايتهم هم. أليس هذا مثاراً لثورة البشرية عليهم وانتفاضتها في وجوههم بحيث لا تبقي منهم ولا تذر، فإن الشعوب تكره المتميزين عليها والمستخدمين القانون بفوقية وعنصرية شوفينية قذرة! وزمن إساءة وجوههم بسبب عنصريتهم يقترب سريعاً، وهم المتسببون في تثوير الناس ضدهم.
عود إلى الحرية: إن الحرية المطلقة لا تكون إلا للمجنون أو الحيوان! أما الإنسان العاقل فتنتهي حريته بحدود الآخرين وإذا قدت سيارتي بسرعة تفوق على المسموح فأوقعت الناس جرحى وقتلى أفأقول هذه حريتي؟
3- حجم الإساءة!
هذا الفيلم الساقط فنياً وقيمة وهدفاً وغاية، حجم الإساءة فيه ضخم، ومقدار الفظاظة فظيع. فأول إساءة هي إلى القرآن العظيم، أعظم كتب الله، فعلى (البي بي سي) يتكلم قذر بالعربية الركيكة ويقول طلبنا من الأزهر والجهات المعنية إجازة الفيلم وقد راجعه بعض الشيوخ، ثم يبين هذا الدعي أن المراد أنه راجع ودقق نصوص الآيات فقال قاتله الله: الآيات كلها مدققة وهي كما وردت في القرآن. لكن عدو الله لم يشر أن النص الصحيح كان يستخدم في غير موضعه الملائم له فيعرض النص على صور اللحم الرخيص كأنه تطبيق للآيات. هكذا يتلاعبون بالكلام وهكذا يستخفون بالعقول، فالإساءة الأولى الخطيرة كانت إلى القرآن وهم يعلمون ما يصنعون! إنهم اليهود وعملاؤهم.
وكأن صواب النص يلغي سوء التصرف به وفي المكان غير اللائق ولا المناسب.
والإساءة الثانية إلى شخص النبي الكريم، وهو لو كانوا يعقلون أكرم من مر على سطح هذه الأرض وأديم هذه الدنيا. وأكرم رسل الله وأكرم خلق الله، فالاستهزاء به تعد على كل رسل الله، وتعد على من أرسلهم سبحانه كما قال مولانا بعد الآية الكريمة: "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً. إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً" الأحزاب.
والإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم تمس كل مسلم في الصميم فهو أغلى على كل مسلم من كل علائقه، ومن يمت إليه فلا يقف أمام قدره لا مال ولا ولد ولا والدان ولا أهل ولا أحد من الخلق أجمعين! وهم لا يجهلون قدر النبي عند المسلمين!
ثم الإساءة إلى أمهات المؤمنين وهن أطهر نساء الأرض، فالمرأة التي يزعمون تقديرها ها هم يسيئون إليها. وفي إساءتهم إلى أعظم رموز النساء عبر التاريخ، فمن يتكلم عن هذا المعنى ويحاسب هؤلاء المجرمين في ضوء القيم التي يصطنعون تعظيمها وهي قيمة المرأة وكرامة المرأة؟!
والإساءة الثالثة إلى قرابة المليارين من البشر يعني ما يقرب من 30% من البشر بالمس بمقدساتهم ومعتقداتهم.
فأي استخفاف بنا من قبل هؤلاء السفهاء التافهين؟! أبلغ بنا الهوان في نظرهم أنهم لا يحسبون لنا حساباً؟ هذا الذي جرح كرامة المسلمين واستثارهم واستفز شعورهم. إنه القهر يولد الانفجار! ولا قهر أشد من أن تمس مقدسات أمة بكاملها وتتطاول على كتابها ورسولها ومن أنزل الكتاب وعلى أطهر نساء الأمة والأرض ثم تتطاول على المليارين وأنت محمي بقوة القانون الظالم والشرعية الأرضية المنحطة والقوة الغاشمة لأمريكا المجرمة!
لسنا نبرر ولكننا نفسر! هذا الذي فجر براكين الغضب، فلا تلوموا إلا أنفسكم، والحديث موصول.