تراجع المسئولية الوطنية

نشر 11 سبتمبر 2012 | 10:11

 

لا أحسب أن حماس في حاجة إلى الرد على ما ورد في كلام محمود عباس في المؤتمر الصحفي من مغالطات مقصودة ومتعمدة، فالمعطيات تقول إن هذه اللغة الهجومية العنيفة والمغالطات ليست مقصودة لذاتها، بل هي مقصودة لغيرها، وأصحاب هذا الرأي يسألون سؤالاً بسيطًا يقول "لماذا عقد عباس مؤتمره الصحفي؟ وما المناسبة؟".

 

الضفة الغربية تشتعل فيها الاحتجاجات الشعبية ذات الأبعاد الاجتماعية ثم الأبعاد السياسية، وتتجه جل الغضبة نحو سلام فياض، مطالبة باستقالته ورحيله بسبب فشل حكومته في تحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، وبسبب الفساد المالي والإداري، وبسبب التنسيق الأمني وقمع الحريات.

 

وجعلت الاحتجاجات من إلغاء اتفاقية باريس الاقتصادية هدفًا لها. الضفة تشتعل فيها الاحتجاجات وبعضها تجاوزت فيها وطالبت برحيل عباس، الأمر الذي يعني الحاجة السريعة والملحة إلى ضبط هذه الاحتجاجات قبل أن تتطور، ويرتفع سقفها وتصبح ربيعًا فلسطينيًا لا يتوقف إلا بعد رحيل رئيس الحكومة ورئيس السلطة.

 

هذه الحالة (الثورية) هي التي أوجدت المناسبة لهذا المؤتمر الصحفي، ولكن المؤتمر الصحفي لم يعالج الاحتجاجات والحالة الثورية، وإنما حاول أن يحتويها باللغة الدبلوماسية من ناحية، وبحرمانها من التغطية الإعلامية كخبر أول بافتعال معركة مع "حماس" حول المصالحة والتمثيل الوطني من ناحية أخرى، لذا جاءت لغة الخطاب حادة ومرتفعة على غير العادة منذ إعلان الدوحة، وجاءت مزدحمة بالمغالطات والمعلومات الناقصة.

 

لقد غطى الإعلام المؤتمر الصحفي كخبر أول على حساب الحالة الثورية والاحتجاجات، ولكن هذا فقط على مدى أربع وعشرين ساعة، إذ عادت الاحتجاجات إلى الواجهة الإعلامية، وفشل عباس في تحقيق أهدافه، وأحسب أن عدم مبالغة حماس في الرد عليه وتجنبها الشرك المنصوب لها ساعد على إفشال أهداف الهجوم الحاد في المؤتمر الصحفي، واللغة القديمة الشرسة وحرف البوصلة.

 

تحدث عباس في مؤتمره الصحفي (المصالحة، ولجنة الانتخابات، والحوار، والتمثيل الفلسطيني، وزيارات إسماعيل هنية واستقباله، ودعوة إيران له) وهي قضايا لا علاقة لها بالمناسبة والاحتجاجات التي فرضت على عباس مؤتمره الصحفي.

 

لا يهدف عباس من الإعلان الصريح عن وقف الحوارات مع "حماس" على هذا النحو الذي يحمله المسئولية المباشرة عن توقف المصالحة، ولا يهدف من حصر ملفات المصالحة الستة في ملف الانتخابات وحده، ولا يهدف من هجومه على إسماعيل هنية بقوله "لا رئيس مقالة ولا غير مقالة"، إلا خلط الأوراق، واستجلاب ردود انفعالية من "حماس" تسهم في إخفاء حالة الحراك الثوري الاجتماعي في الضفة الغربية، وهو حراك تقوم به طبقات اجتماعية لا علاقة لها بالصراع السياسي بين "حماس" و"فتح".

 

إن الإحساس بالمسئولية الوطنية والقيادية عند عباس تراجع في مؤتمره الصحفي إلى حده الأدنى، واختلطت عنده الموضوعات، لأن الاحتجاجات طالبت برحيله ورحيل فياض، فصنع معركة كلامية مع "حماس" وهو القادم مؤخرًا من مصر ومن لقاء مع الدكتور محمد مرسي، رئيس الجمهورية، والذي يفترض فيه أنه ناقش معه دور مصر في استئناف رعايتها للمصالحة. لقد أحسنت "حماس" إذ لم تنجر إلى معركة كلامية لا فائدة منها.