مدخل..
قلت في حلقة سابقة إن هذا هو نص كلمتي في ملتقى القدس أنشرها على حلقات وهذه هي الحلقة الثانية بينت في الأولى: النظرة إلى التاريخ وكيف نقرأ التاريخ. ثم علاقة سيناء بفلسطين كما جلاها القرآن، وعلاقة مصر عموماً بفلسطين من خلال قصة يوسف.
وفي هذه الحلقة نواصل الحديث، ولكن من خلال قصة موسى عليه وعلى الأنبياء الكرام أزكى السلام، ثم العلاقة التاريخية عموماً بين مصر وفلسطين.
ولأهمية هذه العلاقة، فقد حرص الأمريكان والصهاينة (حلف الشيطان) على حرمان الأمة من معين القوة في العرب من مصر. ورأينا كيف قطع مبارك مصر عن محيطها الحيوي العربي وفلسطين بالذات، وأقام الجدار الحديدي ليحاصر فلسطين (غزة بالذات) وتواطأ مع عباس ليمنع المصالحة، وشدد عليه -وعباس لا يحتاج إلى توصية لمنع المقاومة في طول الضفة وعرضها- وشاء الله أن ينقذ الأمة وينقذ مصر وينقذ فلسطين من هذا المجرم الكبير والخطير الذي كان يقود قاطرة العالم العربي نحو التدمير. وجاءت أيد نظيفة كفؤة تريد أن تدير الأمور فتصدى "المعوّقون" يعرقلون المسير، لتظل مصر في الركود في مستنقع التبعية لأمريكا و"إسرائيل". ولكن الله غالب، وبدأت مصر تتطهر من رموز التبعية، وما أنجز في تركيا في عشر سنين أنجز في مصر في شهرين. فإلى الحلقة الثانية.
* والتاريخ دورات.. موسى بعد يوسف
عندما ضاقت مصر بموسى عليه السلام وخرج منها خائفاً يترقب، جاء إلى مدين، ومدين جنوب الأردن وجنوب فلسطين فيما أرى، وقد احتضنته مدين عشر سنوات، وقال الرجل الصالح في مدين (وليس هو شعيب بالمناسبة؛ إذ الفاصل الزمني بعيد جداً بين شعيب وموسى) قال لموسى بعد أن "جاءه وقص عليه القصص قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين"، ثم بعد السنوات العشر أو العشر سنين بلغ الحنين ذروته واشتاق المهاجر إلى بلده ومسقط رأسه وحنت الديار كذلك لأهلها، قفل موسى راجعاً إلى مصر، وكانت له فيها مواجهات مع طاغيتها، ثم كانت هجرته الثانية إلى الأرض التي بارك الله فيها.
وفي كل ذلك ذهاباً وإياباً.. عبوراً لسيناء.. ومروراً بسيناء.. وتوقفاً في سيناء.. وتلقياً للرسالة في سيناء.. ورؤية المعجزات في سيناء..
ثم عندما قفل موسى عائداً أو مهاجراً هجرته الثانية في الخروج الكبير من مصر عبر سيناء مرة أخرى إلى مدين ثم إلى الأرض المباركة المقدسة وسجلت سورة المائدة هذا المشهد: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين. يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم..) عندها وقف الإسرائيليون الموقف الجبان المستخذي والمخزي، فحرم الله عليهم الأرض المقدسة تحريماً أبدياً (قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض) عندها قضى بنو إسرائيل حياتهم في التيه في سيناء، وكان من شأنهم ما كان.
ثم كان دخول الأنبياء إلى فلسطين استثناء من التحريم، والاستثناء لا يأخذ حكم القاعدة، بل يظل استثناء، وتظل قاعدة التحريم هي الأصل والأساس.
أما الآن فهي محرمة عليهم بالقطع والمطلق، لكن تنفيذ الحكم القضائي الإلهي يحتاج إلى أداة تنفيذية هي أيدي المؤمنين!
* العلاقة التاريخية بين فلسطين وأرض الكنانة في العصور القديمة عامة وفي العصر الحديث خاصة.
رأينا كيف يؤصل القرآن للعلاقات بين مصر وفلسطين، وبين الأرض المقدسة والوادي المقدس طوى في طور سينين (فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) طه 12، وكيف وصف فلسطين بالأرض المباركة ووصف سيناء بالوصف ذاته: (نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة..) القصص30. وكيف ربط بينهما بالشجرة المباركة شجرة الزيتون.
وكيف أقسم بهما معاً مقترنتين: (والتين والزيتون وطور سينين)، ولو كنا ندرك قرآننا ونعمل بمقتضياته وموجباته لكان لنا شأن آخر. ولو كنا نفعّل قضية الولاء المحورية في ديننا ومبدأ النصرة لكان لنا شأن آخر. ولو تجاوزنا القطرية التي زرعها الاستعمار والخرائط التي رسمها ونظرنا إلى أنفسنا أننا أمة واحدة وقضايانا أنها قضية واحدة لكان لنا شأن آخر. إن تبني الأمة كلها كل قضايا الوطن والدين والأمة مصدر قوة للجميع لا مصدر ضعف كما يزعم كل دعي رقيع صنيع من صنائع الاستعمار.
ومرت العلاقة بين مصر وفلسطين، وبخاصة قطاع غزة على خير حال، وخاصة في زمن عبد الناصر رغم ما شاب عهده، لكن هذه الناحية بقيت إلى حد بعيد بخير.
وكم كان عمرو بن العاص استراتيجياً مقداماً مستشرفاً، وبعيد النظر وعميق الفكر وعميق الغور عندما استأذن الفاروق العظيم في فتح مصر، وليس معه إلا أربعة آلاف جندي، فأذن له وكان فتح مصر، وكان من يمن مصر وبركة مصر على الأمة وعلى مستقبلها ما كان.
ثم لما جاء زحف الجراد من الشرق ومن الغرب في آن معاً، التتار من الشرق، وهم قطعة من العذاب وقطعة من الجحيم، والصليبيون من الغرب، وهم طاعون أسود، وموج متدفق لا يتوقف، قارة أوروبا تلقي بفلذات أكبادها علينا عبر البر والبحر في مد لا ينحسر ولا يتوقف وقد كان لمصر قصب السبق في وقف الزحفين.
والتاريخ دورات، فكان أن اختطف الفاطميون في غفلة منا هذا البلد العظيم في إبان تلك الحملات، وعلم صلاح الدين أن كسر شوكة الصليبيين لن تكون إلا بأجناد مصر، فطهرها من الفاطميين عملاء الصليبيين، وطهر بها فلسطين من رجس الصليبيين، وبالذات بيت المقدس الذي جعله رضي الله عنه حلم حياته وأمل أمة الإسلام حتى حققه الله له.
وكم من مرة وصل فيها صلاح الدين حافة الهلك،ة فما كان ينقذه إلا أجناد مصر تصل في اللحظة الحرجة فتقلب سير المعركة.
وإني أزعم أن القضية الفلسطينية كانت محركاً مهماً لثورة 23 يوليو 52، ولا أريد أن أقول إنها كانت المحرك الأول.
وإن القضية الفلسطينية، وارتهان مبارك لأمريكا و"إسرائيل" كان محركاً مهماً للثورة المصرية التي صححت مسار الثورة الأولى ثورة 52 بثورة 25.
ومن لم تحركه القضية الأولى للمسلمين قضية فلسطين، وقضية مسرى سيد المرسلين فليشك في إيمانه وإسلامه وانتمائه لهذه الأمة.
والشعب المصري ما كان إلا أروع الشعوب العربية تديناً وعاطفة وولاء وانتماء للأمة وقضاياها، وما نكص يوماً ولا نكل مرة، لكن موقف الشعب شيء، والقيادات المفروضة على الشعب شيء آخر.
والآن وقد انتصرت ثورة شعب مصر، فإن العلاقة من المفترض أن تمتّن وأن تتوثق، وأن تتوقف كل معكرات صفو هذه العلاقة، فقد زال المحرض على شعب فلسطين وقضية فلسطين لصالح العدو، زال مبارك ونظام البلطجة، وحل محله رئيس منتخب من شعب مصر الذي لا يمكن أن يكون إلا لفلسطين.
ولذلك فقد كانت فرحة قطاع غزة بفوز مرسي، لا أبالغ إن قلت إنها تفوق على فرحة أهل مصر وشعب مصر؛ لأن المستفيد الأول من هذا التغيير هو شعب القطاع أولاً وبالذات
ولست أبالغ أيضاً إذا قلت إن الله تعالى بحكمته البالغة يهيئ الأجواء لتحرير فلسطين ومسرى سيد النبيين، بحراك الجماهير التي أسقطت نظام حراسة "إسرائيل" وحماية المحتلين ومحاصرة غزة الصمود والمقاومة. ما كان يمكن أن تعود فلسطين إلى الحمى قبل أن تعود الدول الحارسة لـ"إسرائيل" إلى حظيرة الأمة وإلى الولاء للأمة وقضاياها.
ما جرى عظيم، وبالذات على صعيد القضية الفلسطينية. وهل تعجبون أن يقول العدو عن خطوة إزاحة العسكر إنها أخطر من النووي الإيراني؟ وهل تعجبون إذا قرأتم قول يهودي قال: من يقاتل عنا معاركنا في سيناء وغيرها بعد الآن؟