الكنانة وفلسطين

نشر 03 سبتمبر 2012 | 10:31

 

حرص مبارك التابع لإسرائيل على النأي بمصر عن محيطها الحيوي العربي بعامة وعن فلسطين بخاصة، وأن ينأى بها عن كل قضايا الأمة، وأن يباعد بين الناس والقيم الدينية في حرب سافرة على كل ما ذكر من دوائر: العروبة والمقدسات والمسرى.. والدين بحد ذاته.. وشاء الله أن ينتقم من هذا الطاغية المتأله وأن يذله وأن يجعله عبرة ودرساً لكل طاغية متجبر متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.

 

وكان زواله وإذلاله نصرة للأمة كلها ولمحيط مصر العربي ولقضية فلسطين بالذات فكانت هي المستفيد الأول والرابح الأول..

 

وفي مهرجان سنوي يقيم ملتقى القدس يوماً أو أياماً للقدس والأقصى وفلسطين، وقد طلبوا إلي أن تكون لي كلمة في هذا الاحتفال.. وهذه هي الكلمة أوزعها على حلقات حتى لا نطيل المقام والمقال:

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله أعزنا بالإسلام.. ووحّدنا بالإسلام ونصرنا بالإسلام وجعل لنا ذكراً بالإسلام وفتح لنا آفاق الأرض بالإسلام.. والصلاة والسلام على معلم الأنام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. وبعد.

 

فشكر الله لهذا الملتقى من أجل القدس والأقصى وفلسطين.. أنهم يتبنون قضية الأمة الأولى في وقت يراد لنا فيه أن تنسى في حرب على الذاكرة لا يهدأ أوارها ولا تخفت نارها. ولئن لم تتحرك الأمة لمسرى سيد النبيين وللأقصى الذي هو قبلتنا الأولى والمسجد الثاني الذي وضع في الأرض لعبادة الله وثالث الحرمين.. فبالله لأي شيء بعده يتحركون؟ إنه الأقصى وكفى.. إنه آية في فاتحة سورة في قلب المصحف مثلما هو نبض حي في قلب كل مسلم.

 

فمعذرة لله ربنا وربكم أنّا نرى الأقصى يهوّد ونحن أمة قاربت المليارين ثم لا نملك حراكاً.. ما يمنعنا؟ أهو الوهم؟ أهو ضعف اليقين؟ أم ماذا؟ ومعذرة للأقصى أنّا لا نملك سوى الكلمات.. ومعذرة للمسرى مرة أخرى أنه حتى الكلمات عاجزة خامدة.. وكان ينبغي أن تكون متوهجة مشتعلة متفجرة.. لكن ما تقول موهبة عاجزة وهمة متقاعسة؟ ثم معذرة لكم أن أخاطب جمعكم الكريم بضعفي وعجزي وكان ينبغي أن يكون في الموقع هذا والموقف هذا مَن كلماته كطلقات المدافع وزخات الرصاص.. مَن تحرك كلماته راقد الهمم وفاتر العزمات.. مَن توقظ عباراته الناس من سبات..

 

• كيف نقرأ التاريخ؟

- الحساسية من التاريخ حالة مرضية.

- التاريخ معين التجربة الإنسانية.. ووعاء الخبرة البشرية.

- والتاريخ يقرأ في سياقه.. والتاريخ كالنهر مندفع متدفق يجري.. ونقرأ كل موجة من موجاته في سياقها وظروفها..

- ولا يجوز إسقاط حمولة الحاضر على التاريخ. بمعنى أنّا لا نحمل الأنبياء الكرام خطايا هؤلاء الأشرار اللئام الذين يحتلون أرضنا هذه الأيام..

 

- فهل نقرأ التاريخ بحمولة الحاضر المشحونة بالغصص ونسقطها بأثر رجعي على المرسلين الكرام الذين هم رحمة الأنام!؟ ولو بعث سليمان حياً لما كان إلا في صفنا ضد حلف الشيطان الصهيوني الأمريكي الإمبريالي العدواني الشركي الفاجر الفاسد المفسد. وهل تظنون أن يعقوب يمكن أن ينحاز إلا إليكم كمسلمين موحدين تُعلون كلمة الدين وتنصرون مسرى سيد النبيين؟

- إن إمامة المصطفى للأنبياء واحد من معانيها أن ينقشع من عقلنا مثل هذا الإسقاط من الحاضر على التاريخ. «تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون»

 

• مصر في القرآن.. والأرض المباركة في القرآن.

ذكرت «مصر» في القرآن 4مرات بهذا اللفظ. سوى الإشارات الأخرى الكثيرة لأحداث تمت في هذا المكان وإن لم يذكر المكان. فهو تصريحاً وإشارة أكثر مكان ورد ذكره في القرآن، وما ذاك فيما أرى إلا لأهمية مصر ودورها التاريخي والجيوسياسي.. وهذه مواضع ذكرها: «وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا بمصر لقومكما بيوتاً»87 يونس سورة10. «وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه..» 21 سورة يوسف12. «وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين» 99 سورة يوسف رقم12. «ونادى فرعون في قومه قال: يا قوم أليس لي ملك مصر» 51 الزخرف سورة43.

 

وذكرت الأرض المباركة بوصف «باركنا فيها» 4مرات سوى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله. وهذه المواضع: «وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها» الأعراف137. «ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين» الأنبياء71. «تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها..» الأنبياء81. «وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة» سبأ18

قلت: إن ملكة باسمها الصريح ذكرت مرتين وبوصف أم القرى مرتين فهذه أربع.

 

• «والتين والزيتون وطور سينين»

ذكر الله الطور عشر مرات ختمها بسورة التين: «والتين والزيتون وطور سينين» فجمع في هذا القسم بين فلسطين وطور سيناء.. ولاحظ هذا الجمع كذلك: «وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين» والشجرة المقصودة هنا هي شجرة الزيتون. والزيتون رمز فلسطين. بدلالة سورة «والتين والزيتون» وبدلالة الواقع. ومع هذا جعل القرآن شجرة الزيتون رمز فلسطين، مرتبطة بالطور، ليقول لك إن المكانين مباركان وهما منبت الشجرة المباركة وتوحد بينهما الشجرة المباركة، ويشتركان في استنبات هذه الشجرة!

 

• في قصة يوسف.. وقفات.

- عندما ألقي يوسف في الجب إبعاداً من إخوته له من فلسطين وهذا هو الافتراض المكاني الأقوى.. ولا عقدة عندنا من هذا.. التقطته مصر.. واحتضنته مصر.. وصحيح أنها باعته واشترته وسجنته.. لكنها عادت فأكرمته وسلمته مقاليدها.. فمسحت الإساءة بالإحسان!

 

- وعندما جاء إخوة يوسف إلى مصر عندما ضربت المجاعة والقحط المنطقة برمتها، وفلسطين منها.. علم إخوة يوسف أن الصدر الحاني هو مصر.. وأن شريان الحياة في مصر ومن مصر وما خاب ظنهم.. وقد جاء إخوة يوسف من فلسطين إلى مصر أربع مرات في أربع رحلات في جميعها كانوا يتلقون الإكرام من مصر ولم يكن عند مصر حساسية أن يحكمها يوسف القادم من فلسطين.. مثلما لم يكن عندها حساسية أن يكون أحد أعظم شيوخ الأزهر فيها الشيخ يوسف خال الدكتور فضل عباس رحمه الله.

 

- وقوله تعالى في سورة يوسف: «ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون» أفهم أنها وصلت الحد الفاصل بين مصر وفلسطين وهو حد وهمي بطبيعة الحال! لقد أنقذت فلسطين مصر من أزمتها ومجاعة كان يمكن أن تعصف بها من خلال إدارة يوسف لمصر، وقيادة مركبها إلى بر الأمان، في قيادة استراتيجية عبرت الأزمة، واجتازت المحنة في سلاسة ويسر. وردت مصر الجميل بجميل فأنقذت هي بدورها من جاءها من فلسطين من مجاعته ومن الجدب والمحل الذي ضرب الإقليم برمته.

 

- لقد كانت حركة القوافل نشطة متواصلة لا تكاد تنقطع من خلال إشارات قصة يوسف. أرأيت إلى قول الإخوة: «وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة..» ولم يخب ظنهم فسرعان ما جاءت سيارة كما قال الله: «وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم..» ولو كانت القوافل على غير هذه الوتيرة لقضى يوسف في الجب.. ولكن الله سلم.

 

إني أعتقد كما قلت قبل سبع وعشرين سنة حين كتبت كتابي عن سورة يوسف إن من أهم مرامي القصة هذا الربط المحكم بين فلسطين ومصر..

 

والحديث موصول..