أ.د عبد الستار قاسم
امرأة فلسطينية فقدت زوجها في انتفاضة عام 1987، ولها ثلاثة أولاد وابنتان. كان أبناؤها صغار السن غير قادرين على العمل، ولم يكن أمامها من مفر إلا العمل الدؤوب في مجالات شتى منها الخدمة في البيوت لتوفير لقمة الخبز والمصاريف اليومية. ساعدها إخوتها بعض الشيء، وكذلك فعلت بعض المؤسسات الأهلية.
كبر الأولاد والبنات، وزاد الحمل المادي. اختار الكبير أن يترك المدرسة لكي يعمل لدى أحد التجار بأجر يسير، وإلا فمن الذي يسد رمق العائلة والإخوة الذين يحتاجون إلى مصاريف الدراسة؟ اندلعت انتفاضة الأقصى عام 2001، وشارك هذا الابن الأكبر في العمل الوطني، وسقط شهيدا تاركا العائلة تتدبر شؤونها. وبعد سنتين قبضت قوات الاحتلال على الابن الثاني وحكمت عليه بالسجن المؤبد. أما الابن الثالث فوقع فريسة بعض الأشقياء المتعاملين بالسلاح الإسرائيلي، وأخذ يسبب لأمه وأختيه المتاعب.
انهمكت المرأة بالعمل من أجل أن تبقى على الحياة قادرة على الوفاء بالمتطلبات المادية لمن تبقى من العائلة، وقد كانت حريصة جدا على المحافظة على ابنتيها وتدريسهما اعتقادا منها بأن العلم سلاح فعال على الصعيد الوطني وعلى صعيد المعيشة الشخصية. عملت في معمل للحلويات، ثم في البيع على طرف الرصيف، ثم في مؤسسة أهلية كمدبرة. لكن الدخل بقي ضيقا، ولم تكن هناك سعة في الحياة.
تأخرت في تسديد إيجار الشقة الصغيرة التي تسكنها، وأخذ صاحب الشقة يلح من أجل الحصول على حقه. لقد ماطلته ثلاث سنوات ولم تجد لنفسها مخرجا من الأزمة على الرغم من أنها قد اشترت شقة صغيرة في عمارة تحت التأسيس. ما العمل؟
أخذ شباب مدينة نابلس علما بالأمر فهبوا للنجدة. ما أن وضع المقاول السقف على الشقة المشتراة حتى دخل القصار وبدأ عمله التطوعي، ومعه عمل الكهربائي وممدد المواسير. قدم صاحب الكسارة الرمل اللازم للقصارة، وقدم تاجر الإسمنت نصف الكمية المطلوبة. ما أن أتى دور البلاط، حتى كان صاحب معمل البلاط قد جهز الكمية المطلوبة بنصف السعر، وقام البلّيط بتبليط الشقة على حسابه الخاص. وما أن فرغ حتى كانت فرشاة الدهان تعمل على الجدران. تبرع أحد المحال بالمستلزمات الصحية، وآخر بالحنفيات. تقاسم نجاران المهمة وجهزا الشقة بما يلزمها من أبواب وخزائن.
خلال شهر كانت الشقة جاهزة، وزف شباب نابلس السيدة إلى منزلها الجديد معززة مكرمة. وقد شهد الجيران الحدث، واستقبلوه بفرحة كبيرة وبإكبار لهؤلاء الشباب الذين عملوا بصمت وبإصرار على إخراج المرأة من أزمتها وحسرتها. انتقل الشباب بعد ذلك إلى ابنها الذي أغواه حمل السلاح والتطاول على الناس فزجروه وتوعدوه وأحكموا عليه الرقابة. قرروا أن يعيدوه إلى المدرسة، وإلى حضن أمه لكي يكون شابا نافعا لنفسه وأسرته ووطنه.
في هذا الوقت الذي كان فيه الشباب يقومون بواجبهم الوطني والديني كان شباب آخرون يسقطون قتلى في شوارع غزة في اقتتال دموي بين الفصائل الفلسطينية. كانت الأموال التي تأتي دعما للشعب الفلسطيني تنفق على شراء البنادق من المخابرات الإسرائيلية وسفك الدماء الفلسطينية، في حين كان عرق الشباب يتصبب ليتمم خلطة الإسمنت التي تبني دارا يستر امرأة فلسطينية وابنتيها الواعدتين.
وجدت المرأة نفسها فردا في أسرة فلسطينية تمتد على مساحة الوطن. فبعد أن كانت تقضي ساعات من البكاء لدى قبر زوجها الذي دفع حياته ثمنا للوطن، أخذت تدرك أن الوطن كله لها، وأن وكل شباب الوطن هم أولادها الذين لا يبخلون. أدركت هذه المرأة كما أدرك كل من شهد التضحية والفداء أن فلسطين مليئة بالرجال والنساء الأشداء الكرماء الأوفياء الذين يصدقون العهد والوعد.
هذا هو الوجه الحقيقي لشعب فلسطين وشباب فلسطين. إنه شعب العزوة والمعونة وتقاسم الرغيف، والمشاركة بالأفراح والأحزان، وشعب الإباء والتضحيات والالتزام. إنه الوجه الذي يرى كبرياءه أعظم من مد اليد للآخرين، وفوق جبروت المتجبرين. عاش شعب فلسطين على مدى تسعين عاما تحت ضغط اقتصادي وسياسي واجتماعي وأمني ونفسي هائل، وقد استطاع أن يحمل نفسه، فيعطف الصغير على الكبير، ويحترم الصغير الكبير، ويرعى الثري الفقير، ولا يتأخر الفقير عن نخوة أو شهامة. عاش الشعب كأسرة متعاونة متحابة مما مكنه من الصمود عبر الزمن في وجه كل المحن التي حاقت به والهموم التي ألمت بأبنائه.
يمر الشعب الفلسطيني الآن في محنة، لكن التاريخ يأبى أن تكون طويلة. في ظل وضع فلسطيني غير مستقر ويشهد تدخلات خارجية متنوعة، ويعاني من ويلات الاحتلال ومآسيه يبقى من المتوقع أن تحصل هزات داخلية. لا شك أن هناك عناصر داخلية تعمل على التخريب بالضبط كما يفعل بعض الأشقياء المسلحين، لكن التاريخ يبقى أقوى من كل الهوامش، وسيعود الشعب الفلسطيني وفيا لتاريخه وتراثه وحضارته وأمته. إذا كانت دماء الشهداء قد هانت على بعضهم، فإن الأغلبية تبقى حاضرة ولا بد أن تنفض الغبار قريبا لتعود صادقة العهد والوعد ملتزمة بالبناء والتحرير.