مرسي في طهران .. عودة مصر إلى دورها

نشر 02 سبتمبر 2012 | 10:48

 

دافعنا عن مشاركة مرسي في قمة عدم الانحياز في طهران؛ ليس فقط لأن مصر هي الرئيس السابق للقمة وعليها أن تسلمها للرئاسة الجديدة؛ بل أيضا لأن مصر بحضورها ودورها لا ينبغي أن تغيب عن قمة بهذا الحجم رغم تراجع حضور المنظمة في المشهد الدولي.

 

فعلنا ذلك رغم الحشد الطائفي في المنطقة الذي تسببت فيه إيران بوقوفها خلف نظام الإجرام في سوريا وقبلها ملفات أخرى تحدثنا مرارا عنها، ورغم علمنا بما تكتسبه المشاركة من أهمية بالنسبة لإيران، لكن السياسة مصالح ومفاسد في نهاية المطاف.

 

لذلك أيضا لم نؤيد مشاركة حماس في القمة، فيما نعلم أن دعوة قد وجهت لإسماعيل هنية من أجل الحضور، لكن علم طهران بقرار الحركة عدم المشاركة هو الذي دفعها للقول لاحقا إن الدعوة لم توجه حفاظا على ماء الوجه، ولكسب حضور محمود عباس بصفته رئيسا معترفا به على الصعيد الدولي (يفسر ذلك الحفاوة التي حظي بها).

 

كانت المعارضة للزيارة من قبل جماهير عريضة في الأمة مبررة دون شك، وبالطبع لأن إيران متورطة حتى أذنيها في ذبح الشعب السوري، ليس فقط بدعمها السياسي الواسع النطاق للنظام السوري، بل أيضا بمشاركتها العملية على الأرض دعما وتسليحا وتخطيطا؛ وربما تنفيذا أيضا.

 

ذهب مرسي إلى طهران وصدع بصوت الحق أمام الجميع فيما خصَّ المعركة السورية. قال كلاما أغضب المضيفين، في ذات الوقت الذي أغضب فيه النظام السوري الذي خرج وفده من الجلسة محتجا، مضيفا إلى ذلك تصريحات هجومية لوليد المعلم، تلاها كثير من الردح من قبل الإعلام التابع للنظام.

 

والحال أن مرسي لم يوصل رسالته الواضحة في الدعم المحسوم لثورة الشعب السوري فحسب، بل أوصل رسالة لإيران ولسائر القوى الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها أمريكا بأن مصر في طريقها لاستعادة حضورها ودورها، وأن أحدا بعد الآن لن يستمتع بتهميشها الذي هو تهميش عملي للأمة العربية.

 

لم يكن مفاجئا أن ينطوي كلام مرسي على مديح لعبد الناصر الذي تميز بجعل مصر قوة عربية وإقليمية، فالمنبر الذي كان يتحدث منه كان يقتضي ذلك، مع فارق أن المتحدث هنا هو زعيم منتخب لمصر، جاء إثر ثورة شعبية.

 

السياق هو سياق الدور العربي والإقليمي، وعبد الناصر كان من دون شك مميزا على هذا الصعيد، ومصر اليوم لا تدشن حالة ديمقراطية وتعددية داخلية فقط، وإنما تريد استعادة دورها العربي والإقليمي الذي ضيعه حسني مبارك إضافة إلى فساد نظامه ودكتاتوريته في الداخل.

 

مصر اليوم تطل على العالم بعد ثورة رائعة، فيما تسعى بعد ذلك إلى استعادة حضورها ودورها الذي همَّشه النظام السابق، ولذلك قال مرسي في طهران كلمته الواضحة بأن أحدا بعد الآن لن يهمِّش مصر بحال من الأحوال.

 

في مكة عرض مرسي مجموعة اتصال رباعية لحل المعضلة السورية تتشكل من (مصر، إيران، تركيا والسعودية)، فكان أن رحبت طهران بذلك، لكنها ما لبثت أن نكصت على عقبيها وعادت تتحدث عن شروط ومحددات، ثم اقترحت تجمعا جديدا للحل يتشكل من دول منحازة للنظام باستثناء مصر (فنزويلا، إيران، العراق، لبنان)، الأمر الذي رد عليه مرسي بخطابه الواضح والمحسوم في دعم الثورة السورية.

 

ما يعنينا أكثر من أي شيء هو أن رسالة مرسي قد وصلت لإيران بشكل واضح، وهي أن مصر لن تقبل بتغولها على الوضع العربي والإقليمي. لن تقبل بسيطرتها على العراق، ولن تقبل بوقوفها ضد أشواق الشعب السوري في التحرر، ولن تقبل أيضا بسيطرتها على لبنان. وقد قيل هذا الكلام للإيرانيين في لقاءات جانبية عديدة في أكثر من مكان.

 

وعندما بدأ مرسي كلمته بالترضي على “ساداتنا: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي” كما قال بالنص، فقد كان يوصل رسالة لإيران، بأن لكم مذهبكم ولنا مذهبنا. إن لم تكونوا تعترفون بثلاثة من هؤلاء الأربعة، فنحن لسنا كذلك، من دون أن يكون ذلك شرطا للتفاهم والتعاون على أسس صحيحة للجوار والتعاون.

 

في طهران، وضع مرسي أسس العمل الخارجي لمصر الثورة، وقدم برنامج عمل جديدًا سيضع مصر في مكانتها الصحيحة، ليس كقائدة للعرب فقط، بل كقوة إقليمية كبيرة على الجميع أن يحترمها ويأخذ مصالحها ومصالح الأمة التي تمثلها بنظر الاعتبار.