يحدث لي في الغالب ارتباك عاطفي وفكري في عيد الفطر، وكأني خرجت من الدار للنار كما يقول المثل الشعبي.
في رمضان تسود حالة من انتعاش الروح بالعبادة، وتواصل الأرحام والأواصر بالتلاقي في دعوات الإفطار، وترويض الجسد بالصوم والنفس بالتقوي والمراقبة والمحاسبة، ويأنس الوجود بهذه الحالة حتي يكاد يعتادها، لكن لأنه لا رهبانية في الإسلام، فإن رمضان أشبه بحالة استثنائية ندخلها لنستعيد كل عام هذا السمو الروحي والتجرد الأخلاقي والتواصل العاطفي والاجتماعي، أملاً في أن نرتقي مع كل رمضان، فإن شغلتنا الدنيا بعده نظل نستصحب فلسفته في بقية الشهور،
فإن أوشك رصيدنا علي النفاد جاء رمضان الذي بعده ليلبي أشواق الروح ويعيد شحذ همة الطاعة وصقل الروح وشد ما ارتخي من علاقات الناس بالنسيان والانشغال، وليجدد مواسم الخير والإحسان بكل معانيه وتجلياته.في العيد يسود مناخ عام من البهجة، وهذا رائع، فهذا مقصد العيد، أن يخفف الله به عنا وأن يفرح الناس ويستعيد الجسد طاقته لخدمة حركة الحياة بعد دروس رمضان..ويتم الترويح عن النفس.لكن الناس عادة يحتفلون بالعيد بقوة، ويخرجون من رمضان باندفاع، يندفعون للشوارع والأماكن العامة، ويندفعون لتعويض الجسد عن الصوم بكعك العيد، ويندفعون في الترويح والسهر ويبالغون في الضجيج .. وهو ما يدخلني في حالة من الغربة والحنين الفوري لرمضان مرة أخري، ويصبح انتظار رمضان الذي يليه هو الصبر الحقيقي..الممتد عبر العام.في رمضان كتبت عن تردي حال المساجد في مصر شأن أي «خدمة حكومية» بعد تأميم الدولة لأوقاف الناس وأموالهم (هيئة الأوقاف تحتاج عام كامل من المقالات لنحاول فهم كيف أصبح لها مشروعات إسكان في التجمع الخامس ومن يبيع ويشتري في أموالنا وأراضينا التي تم وضع يد الدولة عليها عبر عقود طويلة دون محاسبة ولا شفافية)، ورصدت الأزمة الحقيقية التي يمر بها الوعظ نتيجة هيمنة الوزارة وقبضة الأمن، فضلاً عن التردي في الخطاب الديني بما أثمر فقدانه لسلطته المعنوية والأخلاقية علي الناس ففروا منه لخطاب الدعاة الجدد السائل وأحيانا العشوائي الذي يكاد يفقد مفهوم الدين مكانته الرفيعة في نفوس الناس ويبتذل معانيه سواء في الأسلوب أو المضمون، و علي الجانب الآخر يستميل البعض خطاب من يسمون أنفسهم بالسلفيين وهو خطاب صلب – بما يجعله أكثر قابلية للكسر- وإقصائي ويتبني روحاً أعرابية متجهمة ومكفهرة لا تمكن من العيش في ظلال فلسفة الوسطية والرحمة للعالمين التي جاء بها الإسلام، ومن أجمل ما قرأت في نقد غياب الاجتهاد والتكاسل عن البناء علي فقه السلف فقهاً يتخذهم قدوة ومناراً ثم يجدد الدين بعقل معاصر رشيد لمستقبل أفضل: إن الاكتفاء بالعيش في أسر الفقه القديم لا يعني أن الأموات أحياء..بل إن الأحياء..أموات.بعد رمضان عاد تفكيري للانشغال مجدداً بفكرة الجمهورية، المعني والفلسفة، وزاد من ذلك أنني قبل العيد وأثنائه تابعت فوضي التصريحات والقرارات بشأن بدء الدراسة، فهل كنا بحاجة لوباء يجتاح البلاد حتي ندرك أن هناك فصولاً بها مائة طالب في المدارس الحكومية، وأنه لا أحد يبالي؟ كيف عجزت حكومة هذا الرئيس عبر ثلاثة عقود من تراكم الفساد وهيمنة عقلية الاستبداد وتحويل الوطن لمشروع استثماري أو ميراث أسري عن النهوض بأي قطاع من القطاعات الأساسية من تعليم وصحة وإسكان، لكن الأدهي هو كيف سكت الناس وصمتوا علي هذا الانحطاط الإداري والبيروقراطي العام الذي تعيشه مصر؟!نفتح المدارس أم نغلق المدارس؟ السؤال الأهم: هل هذه مدارس أصلاً! وهل نفرح بإنشاء مدارس جديدة لهيئة الأبنية التعليمية في حين لا توجد سياسة تعليمية واضحة يدفع ثمنها من خطط لها فكسب مقعده وخسرنا نحن التعليم؟ إلغاء السنة السادسة ثم عودتها كان يستلزم محاكمة لمن قرر الإلغاء وفقاً لقانون الطوارئ وبقرار من الحاكم العسكري، فهذا هو الإضرار الحقيقي بالسياسة التعليمية في مصر وليس أن يكون للمدرس رؤية دينية أو أخلاقية فيتم إحالته لوظيفة إدارية.. أو لمحكمة عسكرية.سألت صديقاً في منصب سياسي كبير عن وزارة التعليم وكيف تعمل فابتسم وسكت، وقال لي آخر في موقع مشابه إن هذه هي مغارة علي بابا بعينها، تحالفات ومصالح وفساد، من قصص الكتب المدرسية لمافيا المدرسين الخصوصيين والمجموعات، لتربيطات الإعارات، للوبي المدارس الخاصة التي لها رجالها داخل الوزارة، هذا هو الوباء الحقيقي، ولم تعرف مصر في عصر مبارك وزيراً للتعليم استطاع أن يطور هذه الوزارة ويحركها من سباتها وهي في تقديري أخطر وزارة.
أما وزارة الصحة فقد أبلت بلاء حقيقياً (بمعني البلوي) في ظل حمي إنفلونزا الطيور، مستشفيات الحميات لا تصلح لاستقبال الحيوانات ناهيك عن البشر، لا نعرف حجم الأزمة ولا يحيطنا أحد باستراتيجيات المواجهة ومتي ستأتي الأمصال وهل ستكفي؟ (فضلا عن مخاطر المصل ذاته التي تم تداولها علي الإنترنت) . والذي أصابه المرض من علية القوم لم يذهب هناك بل تم الحجر عليه في قصره أو مكان خاص حتي تم علاجه، أو بترتيب من السفارة التي يحمل جوازها بجانب جوازه المصري الذي هو دليل مواطنته المجازية لزوم المناصب والسلطة، وبقي الخوف من دخول مستشفيات الحميات كابوساً عند عموم الناس أكبر وأكثر وطأة من الإصابة بالمرض نفسه!
مصر تسير صعوداً للهاوية، لا توجد رؤية للمستقبل ولا خطة للتعامل مع الأزمات، من أزمة الأوبئة لمستقبل الدلتا نزولاً لأزمة القمامة وإدارة الأحياء. خرج الفرعون من المدينة وترك الفرعون الصغير يتابع الاستثمارات، هامان يرتع والجنود (بلاش الجنود..عندي توجيهات من الجريدة بعدم ذكر الجنود في المقالات خالص يا دكتورة الله يخليكي- حاضر!)
ما بعد رمضان والعيد أجدد وأكرر:
الجمهورية هي الحل لإنقاذ مصر: دنيا..ودين.


