الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 09:44 ص

مقالات وآراء

مدرسة المشاغبين..النسخة الأردنية

حجم الخط

 

 إذا كنت ممن يعملون في مؤسسة أكاديمية فلن تتفاجأ إطلاقا بالتحقيق الصحفي الذي تم تصويره على أنه سبق صحفي كشف عن مدى تجذر و انتشار الغش و وسائله في امتحانات الثانوية العامة، بل لو قدر لك أن تلتقي بالصحفي الذي أنجز التقرير لزدته من الشعر أبياتا و لأسمعته عجبا عما تراه من طرائق الغش التي لا يتفتق عنها عقل بفطرة سوية بل عقل فكر و دبر و قدر و أمضى ليال و أيام يحبك الخطة ويجهز العدة، و لو أنه أمضى نصف الجهد في الدراسة لكان نجح دون غش و لكن ماذا نقول في جيل تربى على أن الغش "فهلوة" و أن الغاية تبرر الوسيلة؟!
قد تظن أنك كاستاذ أو مراقب قطعت السمكة و ذيلها و شاب شعرك في التدريس و ما بقي لك وسيلة غش الا و كشفتها و تدخل قاعة الامتحان بهذه الثقة لتكتشف أن الطلاب ما انفكوا يتقدمون عليك و يبزون كل معارفك في علوم كشف الغش!! فهناك طريقة المحارم حيث تُوضع "براشيم" الأجوبة فيها و تطوى في راحة اليد، و من سيشك في محرمة في يد طالب يتعمد عطسة أو عطستين ليحبك المشهد؟! و هناك طريقة الجاكيت بحيث توضع الأجوبة على الطرف الداخلي له و هذه توفر راحة و مساحة للرؤية، و هناك طريقة كي "براشيم" الأجوبة لتصبح في رفع الورقة و تضيع بين أوراق الأسئلة و الإجابات، أما الوسائل التي وفرتها التقنية الحديثة فهذه باب لوحدها، فالطلاب ينسخون كتبا بأكملها على أجهزة الخلوي و يضعونه بين رجليهم لأن أحدا لن يتجرأ، حياء، أن ينظر في ذلك الموقع الا إذا مر صدفة، و منهم من يدخل الى قاعة الامتحان المكتظة و يوقع اسمه و يخرج منها و معه دفتر الإجابة و كأنه قدم الامتحان و بهذا يصبح الأمر مسؤولية المؤسسة التعليمية لتقدير العلامة لانها مسؤولة عن ضياع الورقة و بهذا يأخذ الطالب علامة نجاح أو أكثر!! هذا غير من يسئيون الى الحجاب و النقاب فيتنكرون به أو يلبسون السماعات تحته!!
و ما خفي أعظم و هذا غيض من فيض جعل الشك و الريبة تحددان العلاقة بين الاستاذ و الطالب، و صار الطالب غشاشا الى أن يثبت العكس، فلم يبق الغشاشون لأولاد الحلال و المتفوقين شيئا!!
و هذه الحالة ليست الا نتيجة تراكمية عن وضع عام فالغش في كل المجالات أصبح سيد الموقف و الغشاشون يصلون أعلى المراتب و هم الذين يشكلون القدوة للأجيال الجديدة التي تريد أن تحصل كل شيء دون بذل أي شيء، و يزيد الطين بلة عندما يدعم الأهل و المجتمع الغش و يقاتلون لأجله لينجح الأبن بالغش و يدخل الجامعة بمكرمة و يقضي سنواته فيها كعنترة من طوشة الى أخرى و ينجح كذلك زحفا و بالواسطة و تبويس اللحى و يتعين في وظيفة محجوزة باسمه ليزيد توقيعا على التوقيعات و يزيد في ترهل المؤسسات و إعادة إنتاج الفساد و الغش بصور أخرى!!
إن ما نعانيه في مدارسنا و مجتمعنا ليست أمية أبجدية بل أمية أخلاقية و محو الأمية الأخلاقية لا يتعلمها الطالب في المدرسة فقط و إنما يجب أن يتشربها في البيت و الشارع و مع الأهل و الأصدقاء، و ما لم تصبح الأمانة خلقا راسخا في نفوس الطلاب فلو وضعناهم في سجن تحت كاميرات المراقبة فسيجدون طريقة للغش، فالحرام له أبواب كثيرة و من صمم عليه لن تعجزه الوسيلة، و لقد عرفنا بخبرة الحياة أن الفأر دائما يلعب إذا غاب القط!
و لكن من يتربون على الرقابة الذاتية التي تؤمن أن الرقيب موجود في كل مكان و في ذات نفس الإنسان فمثل هؤلاء لا يرفعون رؤوسهم من الورقة الا ليسلموها عند الانتهاء من الإجابة، و ما زال الزمان يجود بمثلهم على استحياء شديد و قلة في العدد
الا أننا و المجتمع شركاء في جريمة الغش فعندما لا نوفر معلمين أكفاء للطلاب في أبعد قرية أردنية كما أفخم حي في العاصمة لا يمككنا ان نطالب الطلاب بالفضيلة و لا نحاسبهم على التجاوز فنحن لم نقم بواجبنا حتى يقوموا هم بدورهم، و اللوم ليس عليهم بالدرجة الأولى و لكن فساد الرأس انعكس على فساد بقية الأعضاء، و لن يكون إصلاح الا بعلاج المشكلة من جذورها و بتر العضو الفاسد من أساسه، أما أن نبقى نرقع هنا و هناك، رقعة في المدارس، و رقعة في دور الرعاية، و رقعة في القبول الجامعي فهذا ردم سطحي للحفر و أصل الخراب ما زال موجودا!
قيل قديما "المدارس تقلل الجنايات" و لكن في زمننا أصبحت تستحدثها للأسف، و جهالة الكبار انعكست على الصغار!
لقد أصبح الغشاشون منا و من أبنائنا، فماذا أصبحنا نحن و لمن ننتمي و على من نزل التحذير العظيم "من غشنا فليس منا"؟!