لقد حرصت النخب الإسرائيلية في الآونة الأخيرة بشكل واضح ومثابر على مهاجمة سلوك الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وتحميله المسؤولية عن بلورة البيئة السياسية المصرية التي أدت إلى فوز مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي بكرسي الرئاسة. وترى دوائر الحكم الإسرائيلية أن تقصير إدارة أوباما هذا يعد امتداداً لتقصيرها الذي سمح بسقوط أنظمة «الاعتدال» العربية، ولا سيما نظام مبارك، متجاهلة حقيقة أن إدارة أوباما لم تضغط على مبارك للتنحي إلا بعد أن أدركت أن الجماهير في طريقها لتحقيق هذا الهدف بالقوة، علاوة على أن آخر ما فكرت به الإدارة الأمريكية لم يتجاوز التضحية بمبارك والإبقاء على نظامه.
فقد سعت «إسرائيل» من خلال التهويل من مخاطر وصول مرسي بشكل خاص، والإسلاميين بشكل عام للحكم، إلى تقليص هامش المناورة أمام الإدارة الأمريكية، وتحميلها جزءاً من المسؤولية عن أي تداعيات لسيطرة الإسلاميين على أنظمة الحكم في العالم العربي في أعقاب الثورات العربية. وقد حاولت النخب الإسرائيلية من خلال مهاجمة السلوك الأمريكي في خضم الثورات العربية، إلى تحقيق الأهداف التالية:
أولاً: تسويغ مطالبة الإدارة الأمريكية بمضاعفة المساعدات العسكرية لـ»إسرائيل»، والعمل على ترميم مكانة «تل أبيب» الدولية من خلال إثارة الفزع من الثورات العربية؛ عبر اجترار المزاعم التي تؤكد أن تولي الإسلاميين مقاليد الحكم في العالم العربي سيمثل ضربة قاصمة لاستقرار المنطقة، وهو ما يعني أن «إسرائيل» هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي بإمكان الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة الاعتماد عليها في تحقيق مصالحه. وقد اعتبر الكثير من المسؤولين الإسرائيليين أن مثل هذا السيناريو يفرض على الولايات المتحدة التوسع في دعم «إسرائيل» عسكرياً واقتصادياً. وقد طالب وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود براك الإدارة الأمريكية بدفع عشرين مليار دولار إضافية إلى موازنة الأمن الإسرائيلية؛ إسهاماً منها في مساعدة «إسرائيل» على تحمل تبعات الثورات العربية على أمن «إسرائيل» القومي في المرحلة القريبة القادمة، ولم يفته تذكير الأمريكيين أن استثمار هذا المبلغ سيعود بالنفع على الولايات المتحدة؛ «لأن ضمان تفوق إسرائيل يمثل أحد عوامل الاستقرار في منطقة غير مستقرة».
ولقد سعت «إسرائيل» إلى توظيف فزاعة الإسلاميين في محاولات استمالة الحكومات الأوروبية إلى مواقفها. ولقد كثف نتنياهو من حديثه حول «منظومة القيم المشتركة» التي تربط «إسرائيل» بأوروبا، حيث حرص على أن يهمس في أُذن كل مسؤول أوروبي يزور «تل أبيب» أن الثورات العربية، تدلل على ان «إسرائيل» هي الدولة الوحيدة من بين دول المنطقة التي تربطها قيم مشتركة بأوروبا، فنحن أنتم وأنتم نحن، لدينا تراث مشترك، مستقبل مشترك.
ثانياً: التهوين من دور الصراع العربي الإسرائيلي في التأثير على استقرار المنطقة؛ عبر الزعم بأن اندلاع الثورات العربية يدلل على أن حالة عدم الاستقرار في المنطقة مرتبطة أساساً بالأوضاع الداخلية في العالم العربي، وأنه سواء تم حل الصراع، أو لم تتم تسويته، فإن هذا لن يضمن الاستقرار في المنطقة. ويفترض الإسرائيليون أن يستدعي هذا الاستنتاج إعادة تصميم السياسة الأمريكية في المنطقة على أسس جديدة. وقد ترتب على ذلك السعي لتقليص قدرة الرئيس أوباما على الضغط على «إسرائيل» في كل ما يتعلق باستحقاقات التسوية مع الفلسطينيين والعرب، وذلك عبر تحميله قدراً من المسؤولية عن تعاظم شأن «الجماعات المتطرفة» في العالم العربي، وإضعاف أنظمة «الاعتدال» في العالم العربي، وبالتالي فإن النخب الإسرائيلية اتهمت أوباما بتعقيد فرص التوصل لتسوية للصراع؛ من خلال تردده في دعم نظام مبارك. ولقد ادعى السفير الإسرائيلي الأسبق في الولايات المتحدة الليكودي زلمان شوفال، أن السياسة التي اتبعها أوباما خلال الثورة المصرية تضر بفرص التوصل إلى تسوية للصراع مع العرب.
ويرى شوفال أنه الرغم من أن الرئيس بوش الإبن تحدث عن دمقرطة العالم العربي، إلا أنه لم يسع في الواقع للمس بأنظمة الحكم في العالم العربي كما فعل أوباما، معتبراً أن محاولة الأمريكيين الجسر بين «المثل الأمريكية» والمصالح البرغماتية ستنتهي إلى حالة «انفصام سياسي».
ثالثاً: إضعاف الرئيس أوباما داخلياً عبر تأجيج الرأي العام الأمريكي ضده، وتصويره أنه أسهم في توفير الظروف المواتية لسيطرة الإسلاميين على مقاليد الأمور في العالم العربي، والتشديد على أن تحقق هذا السيناريو سيضر بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية ذاتها. ولقد زعم إيتنجر أن سياسة أوباما ستمكن « الإسلام المتطرف من الإضرار بالمصالح الغربية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي والسودان والأردن»، مدعياً أن هذه التحولات تأتي في ظل إقدام الولايات المتحدة على خطوات تعكس ضعفها، ولا سيما انسحابها قواتها من العراق، وقرار إدارة أوباما تحديد موعد للانسحاب من أفغانستان. ويحذر إيتنغر من أن توفير الأرضية للإسلاميين للوصول للحكم في ظل هذه التحولات سيكون مخاطرة كبيرة، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه حتى لو لم يصل الإسلاميون للحكم، وظلت بعض الأنظمة المساندة لأمريكا فإنها ستتأثر بالأجواء السائدة، وستتخذ مواقف متشددة من «إسرائيل» والولايات المتحدة. ويصل الكاتب الإسرائيلي آرييه شفيت إلى حد «رثاء» الولايات المتحدة؛ بسبب الصعود المتوقع للإسلاميين، مستذكراً أن الولايات المتحدة تنتظر نفس المصير الذي انتهى إليه الاتحاد السوفياتي عام 1989، معتبراً أن وصول الإسلاميين للحكم يعني بداية «غرق» سفينة الغرب بأسره.
رابعاً: التشكيك في مدى التزام الإدارة الأمريكية بأمن «إسرائيل»؛ لأنها لم تتحرك لإنقاذ حكم مبارك، على اعتبار أن إسقاط نظام مبارك، وما سيتبعه من مشاركة الإسلاميين في الانتخابات، يعني تهديد اتفاقية السلام مع مصر التي تعتبر حيوية لأمن «إسرائيل». وقد عبر عن هذا التصور بشكل واضح دوف فايسغلاس مدير ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرئيل شارون، الذي كان مسؤولاً عن تنسيق العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن خلال حكم شارون. واعتبر فايسغلاس أن مشاركة الحركات الإسلامية في العملية السياسية في العالم العربي في مرحلة ما بعد الثورات، يمثل «مصيبة» لإسرائيل تتحمل إدارة أوباما جزءاً هاماً من المسؤولية عنها، مشدداً على أن السلوك الأمريكي يتناقض تماماً مع التصريحات الأمريكية التي تشدد على الالتزام بأمن «إسرائيل». ويرى فايسغلاس أن مشاركة الإسلاميين في إدارة شؤون الحكم في العالم العربي، ستفضي إلى زيادة التطرف وخلق ظروف لا تسمح باحترام الاتفاقيات التي تم توقيعها بين «إسرائيل» والعالم العربي.


