في معرض النقد لدور الدول الغربية في الحث على الاصلاح في الأردن، واقناع النظام بضرورة إجراء تعديلات جذرية، علقت إحدى الموظفات في سفارة أجنبية أن النظام نجح في تسويق نفسه؛ من خلال الزيارات الدبلوماسية والمحاضرات واستقدام الوفود الاجنبية الى الأردن في زيارات مرتبة، والفكرة السائدة في الغرب أن النظام في الأردن قد أنجز اصلاحات متقدمة بتعديل القوانين ومكافحة الفساد!
والغرب يقرأ الأرقام ويحللها، ويرى أن المنادين بالاصلاح ما زالوا قليلي العدد، والأمر لا يعدو كونهم معارضة محصورة لم تتنشر لتصبح حالة شعبية يجتمع عليها أفراد المجتمع، فتشكل قوة ضاغطة تستدعي التعامل معها والانتباه الى مطالبها، وما دام الأمر داخليا والشعب لم ينهض بنفسه لتحصيل حقوقه، والانتهاكات لم تصل حدا مفزعا يستدعي التدخل لوقفه، فالغرب معني أن يظل الوضع السياسي في الاردن على ما هو عليه، فقد أثبت عبر التاريخ أنه بمثابة صمام الأمان في الشرق الأوسط حيث الربيبة الأهم «إسرائيل».
نعم الأرقام تتحدث وهناك من يتابع محليا وعالميا، كم خرج في المظاهرات والاعتصامات وكم عدد الذين يحضرون نشاطات الاصلاح وينضمون لهيئاته، ويفسرون زيادة الاعداد او نقصانها كاستفتاء شعبي متكرر يبين موقف الشعب من الاصلاح.
غير أن أعداد المشاركين في نشاطات الاصلاح لا تعطي كذلك فكرة حقيقية عن عدد المؤيدين للتغيير؛ فالشعب الأردني مصاب بحالة من اللامبالاة؛ بسبب عدم الجدية في الاصلاح على مدار السنوات، حتى أصبح عند المواطن قناعة أن مشاركته وعدمها سيان، وما تريده الحكومة هو النافذ.
هذا غير حالة الخوف التي يعيشها المواطن الأردني، المهدد في حياته ورزقه وجنسيته ومواطنته وانتمائه التي تبقيه حبيس نفسه وبيته، يتبنى سياسة أجداده التي أوصلتنا الى ما نحن عليه «امشي الحيط الحيط وقول يا رب الستر»!
حتى حالة الفقر المدقع التي وصلها الشعب أثبتت أن تفاعله معها سلبي؛ فأقصى ما فعله بعض المحتجين أن حرقوا أنفسهم في احتجاج شخصي ضعيف، أفقدنا أرواحا بريئة مظلومة دون أن يحرك لها المسؤولون جفنا، مع أننا رأينا في تاريخنا العربي ردات فعل أقوى وأكثر حزما، يلخصها ما قاله أحد الصالحين: «عجبت لمن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه!».
الأيام تمضي والاصلاحات الشكلية تساهم في إعادة إنتاج واقع ما قبل «الربيع العربي»، وقانون الانتخابات الذي تناسخ روحيا من قانون الصوت الواحد، حتى بعد الفضائح العالمية لمجلس النواب الذي جاء نتيجة هذا القانون، دلالة على عدم جدية الدولة في الاصلاح، فبضعة ألوف هنا وهناك لن يجعلوا النظام يلتفت اليهم، ويتعامل معهم بجدية واحترام، بل عند اللزوم يستطيع أن يحرك مثلهم لتأييده!
وكذلك مضى الوقت دون انجاز حقيقي، ليس في صالح الحراك الإصلاحي، بل هو يزيد من قوة الحكومة وتغول الفساد الذي قدم بعض الحلقات الضعيفة؛ لإلهاء الناس، بينما ظلت الرؤوس الكبيرة سليمة نشطية لم تُمس، والناس يتململون سريعا إذا لم يجنوا الثمار، وقد يقبلون ببعض الموت ولا الموت كله!
كتب لي أحد الأساتذة الصحفيين الذي يعيش في بريطانيا في أول شهور الإصلاح، ينصحني أن أوفر وقتي وقلمي لشيء آخر؛ فالشعب الأردني والإصلاح حالة ميؤوس منها!
وبالطبع هبت فيَّ النخوة، وقمت أدافع واستشهد بما كان من تاريخ أبائنا وهباتهم ووقفاتهم الجريئة في وجه الظلم بكافة أشكاله.
هل كان على حق؟ ما زلت آمل أن الصواب حليفي، وأن رهاني على الشعب الأردني الأصيل كسبان بإذن الله.
الجو ربيع.. والدنيا بديع.. وملف الإصلاح الأردني اكتمل، هكذا يبدو الوضع للغرب، بينما الإصلاحيون ما زالوا يحترقون تحت لظى الشمس دون أن تبلغ أصواتهم أهدافها، وتُسمع من بهم صمم،
الأرقام تتحدث والأيام تتحدث، وهي الى الآن لا تتحدث لصالح الحراك، ولم تدعم بقوة تحقيق الشعار الأساسي «الشعب يريد إصلاح النظام».


