الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 04:21 م

مقالات وآراء

النصائح النظرية لحياة زوجية لا تسمن ولا تغني من حب

حجم الخط

 

يختلف عالم الواقع عن عالم التنظير الذي توفّره بعض الكتب، وخصوصا فيما يتعلق بالحياة الزوجية، ذلك أنّ الواقع يتعامل مع روح وعقل بشري وأحساسيس وأفكار لا تتشابه حتى بين الأم وأولادها الذين تخلّقوا في رحمها، فكيف تتشابه بين رجل وامرأة، أقارب أو أباعد، عاشوا في بيئات مختلفة ما بين العشرين والثلاثين ثم جاؤوا ليجتمعوا تحت سقف واحد لتتحقق آية الله في الوحدة الوجدانية في قوله سبحانه "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها".

 

وللأسف فإنّ معظم النصائح تتوجه للزوجة ولا يخلو بعضها من اتهام مبطّن، وكأن نجاح الحياة يعتمد عليها وحدها، والرجل سي السيد الذي ينتظر على مائدة الحياة حتى يصله كل ما لذّ وطاب! ومن أغرب هذه النصائح الخارجة عن سياق الحياة المعاصرة ما ورد في أحد المواقع الإلكترونية بعنوان: هل تصلحين زوجة؟ ووردت فيه المقاييس التالية لإثبات الصلاحية:

إذا دخل زوجكِ البيت ولم تتركي كل شيء في يديكِ وتذهبي لاستقباله والابتسامة في وجهك ومواساته بعد تعبه، إذاً فإنكِ لا تصلحين زوجة.

 

إذا احتاج الزوج لمن ينسيه تعب العمل ومشاغله خارج المنزل، ولم يجدكِ تهتمين، فما فائدتكِ كزوجة!

إذا كان زوجكِ لا يأكل من طبخ يديكِ ويذهب ويشتري الأكل من المطعم ولا يغسل ملابسه إلاّ عامل المغسلة، إذاً أنتِ لا تصلحين زوجة.

 

إذا كان لا يهتم لنظافة زوجكِ إلاّ عامل المغسلة ولا يأكل من يديكِ بل من يدين عامل المطعم، بالرغم من أنّ عامل المطعم يديه كلها عرق، إذاً ما فائدتكِ كزوجة!

 

إذا غضب زوجك ورددتي عليه الكلمة بعشر كلمات ورفعتي صوتكِ عليه، إذاً أنتِ لا تصلحين زوجة، فالزوج يتحمّل ضغوط الحياة، ومصاريفها وهموم إعاشة الزوجة ورعايتها وتولّي شؤون البيت ورأسه مليء بالمشاغل والضغوط والهموم، ويعيش في مجتمع قاسي لا يرحم، فمن الطبيعي أن يكون عصبي، وينبغي للزوجة أن تهدئه وتصبر عليه إلى أن يهدأ، أو تُسمعه كلام جميل إذا غضب، وتكون حنونة معه لتنسيه كل معاناته ومشاكله، حتى تكون فعلا زوجة، ولكن إذا لم تصبري عليه حتى يهدأ وتسمعيه كلام جميل يهدئه، إذاً ما فائدتكِ كزوجة!

إذا جلستي مع زوجكِ في البيت ورائحتكِ غير جميلة، أو كنت غير أنيقة، إذاً لا تصلحين زوجة، الزوجة لا بد أن تكون بكامل زينتها وأناقتها أمام زوجها، ولكن إذا كنتِ لا تتزينين ولا تتعطرين وتتنظفين إلاّ عند العزائم والمناسبات، إذاً ما فائدتكِ كزوجة!

 

إذا تكلّم زوجك فاجعلي تركيزك وانتباهك كله معه، فلو تكلم وأنتِ لاهية في شيء من الأشياء مثل الكمبيوتر أو التلفزيون ولم تعطيه أيّ اهتمام أو انتباه، إذاً فأنتِ لا تصلحين زوجة.

 

الزوجة لا بد أن تُشعِر زوجها بأهميته وتشعر زوجها أنّها تهتم لكل ما يتعلق به، فلو لم يحس الزوج بأنّكِ مهتمة له، إذاً ما فائدتكِ كزوجة!   

 

هذه النصائح لا تأخذ بعين الاعتبار تغيُّر الحياة والأحوال الاقتصادية القاسية التي أخرجت المرأة من بيتها للعمل حتى قبل زوجها لتعيل الأسرة كما يعيلها، ثم تعود بعده أو معه، فأين الوقت للاستقبال والتهليل والزينة من بعد معارك الحياة التي لا تنتهي بالرجوع إلى البيت، بل تستمر في تدريس الأولاد وشؤون المنزل.

 

وأين تقديم الرجل الذي وصفه القرآن "وقدّموا لأنفسكم"، والتقديم يعني المبادرة والسبق ولا ينحصر فهم الآية في علاقة الجسد وكأنّ الرجل يزرع العيال، والرعاية والقطاف والتعهُّد مسؤولية المرأة وحدها! لقد قال أحد العلماء "كونك رجلا أو امرأة ينوّع شكل ابتلائك واختبارك وامتحانك في الدنيا، لكن جنسك لا يغيّر من جوهر الجزائية والمصيرية إلى الله عز وجل شيئا"، فالرجل مطالب بالتقديم كما المرأة، إن لم يكن أكثر.

 

لقد كانت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمنه ويهجرنه فلا يزداد إلاّ وُدّا وعطفا وإقبالا، وصاحت زوجة رجل من أشد الرجال مهابة في وجهه فاحتملها عمر بن الخطاب والتمس لها أعذارا، وحنت اعتماد الرميكية أن تغوص في الطين فملأ المعتمد بن عباد لها القصر طينا مشرّبا بماء الورد، فكيف تستوي هذه السِيَر وهذه النصائح التي كتبها دلّوع أمه أو دلّوع زوجته أو كليهما؟!

 

إنّ النصائح ما لم تكن قائمة على التعاون والتبادل وثنائية التقديم فهذه ستفشل فشلا ذريعا، وهذا ما أدركته الأعرابية دون تعليم فنصحت ابنتها: كوني له يكن لك.

إنّ بعض الأزواج يستحق إحسانا وابتكارا وتألقا فوق النصائح لأنه قدّم حُسن الكلمة والمعاملة، وهو كل ما تريده المرأة لتقوم بالباقي محبة وطواعية وعن طيب خاطر، أمّا بعض الأزواج فصم بكم عمي لا يعقلون ولا تنفع فيهم نصيحة ولا إرشاد!

 

لقد نشرت جامعة ستانفورد دراسة تبيّن أنّ الزواج يطيل عمر الرجال ويحسن صحتهم، فماذا يا ترى يطيل عمر المرأة المتزوجة؟!

 

الجواب ليس في بطن الشاعر ولا في بطن الحوت إنّه في قلب كل زوج محب يرى في الإحسان إلى زوجته مدخلا إلى الجنة.