الأحد 28 ديسمبر 2025 الساعة 02:16 ص

مقالات وآراء

إلى من يقللون من المبادرات الرمزية

حجم الخط

 

أصدرت السفارات الإسرائيلية حول العالم العام الماضي بيانا لكل مواطنيها تطالبهم بتقديم أية معلومات عن أملاكهم أو أملاك أهاليهم التي صودرت أثناء الهولوكوست لمبادرة HEARTو هي مبادرة لمشروع غير ربحي يتبع للوكالة اليهودية من أجل إسرائيل و تدعمه الحكومة الإسرائيلية و يهدف الى المطالبة بتعويض الضحايا و أحفادهم عن الأملاك المنقولة و غير المنقولة التي تمت مصادرتها منهم أثناء سنوات اضطهاد اليهود في أوروبا و غيرها، و لعل الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام عن طلب إسرائيل من السعودية التعويض عن أملاك اليهود في المدينة و خيبر يأتي ضمن هذا المشروع الذي يحرص كل الحرص على تذكير اليهود أولا بحقوقهم و عدم التفريط فيها و عدم سقوطها أو نسيانها بالتقادم أو الرضوخ للأمر الواقع، و تذكير الشعوب حول العالم بأخطاءهم المزعومة ضد اليهود و ما يتبع ذلك من كسب التعاطف السياسي و الاقتصادي

 

يصر الاسرائيلييون على أن لا ينسى العالم ما اقترفه البعض حقيقة أو مبالغة بحق اليهود و لو بالإشارات و المبادرات الرمزية و يقيمون الاحتفالات السنوية حتى تتوارث الأجيال الشابة الذكرى عن الكبار، بينما يتقن بعض العرب من القيادات فن التنازل و التناسي بل و يتجرؤون على نقد المبادرات الرمزية و التقليل من شأنها و أثرها في إحداث تغيير ملموس على الأرض و يقولون: ماذا ستفعل المسيرة، و ماذا سيحصل لو احتفظنا بمفاتيح دورنا و القواشين، و وثقنا ذاكرتنا و تاريخنا الشفوي هل ستزول إسرائيل و تختفي عن الوجود؟!

 

غير أن هذا المنطق السخيف غير موجود إطلاقا عند العدو الذي تعلم بالتجربة إن الإصرار على المبدأ مهما كان الضعف و الاستصغار حال الشعب هو بداية تحقيق الحلم و الانتصار، لقد تعلموا الدرس من شرذمة قليلة اجتمعت ذات يوم في بال في وقت كانت أوروبا تعامل اليهود كالجرذان و تعزلهم في أحياء خاصة كالمرضى، و لكن اجتماع أولئك و أملهم و عملهم مكن الاسرائيليين اليوم من بلوغ العلو الأكبر لهم، و لو بقيت شرذمة بال تندب حظها و سوء أحوال اليهود و استحالة استرجاع و بناء ما يظنونه دولتهم المقدسة لما قامت لإسرائيل قائمة!

 

إن الهولوكوست الفلسطيني المستمر في استهداف الأرض و الإنسان و التاريخ يحتاج أيضا لمن يوثقه و يظل يقرع على الآذان تذكيرا به، و الساحة الفلسطينية لا تخلو من مبادرات رمزية و فردية تسعى لتوثيق الحق و الذاكرة الفلسطينية كأطلس فلسطين و القرى المدمرة و المجازر و التراث

 

إن من يخذلون و يثبطون أصحاب المبادرات هم الذين فرطوا و يفرطون بفلسطين من فوق و تحت الطاولة و لا يكتفون بالمساومة عليها فقط بل يضعون العصى في الدواليب و يعطلون المراكب السائرة التي ما زالت تحلم أن مرافىء يافا و حيفا و عكا ستعود لتحتضن سفن العائدين

 

لقد آن لنا أن نفهم و نعمل بالدرس الذي فهمه أعدائنا قبلنا و هو أن الحق ،و حتى الباطل، لا يضيع و وراءه مُطالب

المسيرة تؤثر و الكلمة تؤثر و المفتاح يذكر و القوشان و الثوب و الصورة كلها رموز تحفظ الذاكرة و تحفظ الهوية و تثبت أن الشعب و القضية عصيان على النسيان

 

وصدق الشاعر إذ قال:

ذُبح المؤذن في مساجد قريتي      فانهض صلاح الدين و داوي بعض جراحي

و ابلغ أبا حفص بأن بيوتنا         هُدمت و ظل الرمز بالمفتاح