الأربعاء 21 يناير 2026 الساعة 11:04 م

مقالات وآراء

فهمي هويدي

محلل سياسي وكاتب مصري
عدد مقالات الكاتب [1149 ]

أخطأ الإخوان

حجم الخط

 

الخبر أن حركة النهضة التونسية أعلنت أنها ستبقى في دستورها الجديد على النص الذي يقرر أن «تونس دولة حرة لغتها العربية، ودينها الإسلام». وقبلت بعدم الإشارة إلى مرجعية الشريعة الإسلامية. وهي النقطة التي أثارت لغطا في أوساط المثقفين العلمانيين الذين يهيمنون على مقدرات البلد منذ الاستقلال في ستينيات القرن الماضي. وفي تفسير موقف الحركة قال أحد قيادييها ــ عامر العريض ــ نحن حريصون على وحدة شعبنا، ولا نريد شروخا في المجتمع.

هذا الموقف لم يعجب دوائر المتطرفين والمزايدين الذين اتهموا الحركة بخيانة التونسيين. ونقلت وكالة رويترز على لسان أحدهم قوله: إن كثيرين سيعتبرون أن الحركة تاجرت بالدين للوصول إلى السلطة، واليوم تتاجر بالتخلي عنه والتفريط فيه للبقاء في السلطة (جريدة الشروق 27/3).

 

بسبب سفرة قصيرة إلى الخارج لم أتابع الخبر في حينه، لكني ما إن وقعت عليه بعد العودة حتى وجدته مدخلا مهما للحديث عن الحالة المصرية الراهنة، وموقف الإخوان المسلمين من لجنة كتابة الدستور، وكيف أنهم مع السلفيين أسهموا في تعميق الشرخ في مصر، في حين كان بوسعهم بقدر من التواضع والحرص على وحدة الجماعة الوطنية أن يجنبوا مصر التوتر الذي شهدته طيلة الأسبوع الماضي، ولو أنهم فعلوا ذلك لكنا قد انتهينا من مسألة تشكيل اللجنة ولكانت عملية كتابة الدستور قد بدأت بالفعل، علما بأن تضييع الوقت في الجدل حول التشكيل يمكن أن يؤثر حتى على انتخاب رئيس الجمهورية وتسليم السلطة للمدنيين في 30 يونيو المقبل.

 

الفرق بين موقف حركة النهضة في تونس وبين الإخوان في مصر، أن الأولين اهتموا أكثر بوحدة الشعب في حين أن الآخرين اهتموا ــ على الأقل في المشهد الراهن ــ بحضور الجماعة وحظوظها. وهذا خطأ سياسي يجب الاعتراف به، ومن الشجاعة أن يراجع ويصوب، ومن الحكمة أن يتحول إلى درس يستفاد منه في منهج تعامل الجماعة مع القضايا الأساسية، ومع القوى الوطنية الأخرى.

 

تحضرني في هذا السياق قصة وردت في القرآن الكريم، تحدثت عن النبي موسى عليه السلام حين غاب عن قومه وتركهم في عهدة أخيه هارون. وفي غيبته انحرف سلوك القوم حتى عبدوا العجل. وحين عاد النبي موسى وفوجئ بما جرى فإنه نهر أخاه واشتبك معه وذكر النص القرآني أن هارون قال: « قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ» (سورة طه ــ الآية 94) ــ وهي القصة التي أبرزها الدكتور يوسف القرضاوي في حديثه عما أسماه «فقه الموازنات والأولويات». ذلك أن هارون سكت على إقدام قومه على عبادة الشرك من دون الله، حرصا على وحدتهم، بمظنة أنه إذا ما ضغط عليهم لكي يعودوا إلى عبادة الله فسوف ينفرط عقدهم ويتشتت شملهم. من ثم فإنه وازن بين حالة الشرك العارضة، وبين وحدة القوم التي تعد قيمة استراتيجية بلغة زماننا، فإنه قدم الوحدة باعتبارها مصلحة كبرى. وسكت على الشرك تجنبا للفتنة. وهي الحجة التي قبل بها النبي موسى ولم ينكرها عليه.

 

في المشهد الذي نحن بصدده في مصر، سعى الإخوان ومعهم السلفيون إلى ما اعتبروه حقا لهم باعتبارهم يشكلون الأغلبية في البرلمان. وتحقق لهم ما أرادوا. ثم ماذا كانت النتيجة؟ حدث ما حذر منه بنو إسرائيل، حيث تفرق القوم على النحو الحاصل، الأمر الذي أدى إلى تعميق الشرخ في الوطن، بما استصحبه ذلك من إشاعة عدم الثقة بين القوى الوطنية وإلهاء الناس عن همومهم الحياتية. ولا تسأل عن المليارات الأربعة التي خسرتها البورصة.

في أي موازنة عاقلة، سنجد أن الخسارة التي مني بها الوطن، بل تلك التي منيت بها جماعة الإخوان على الأقل، أضعاف «المكسب» الذي يبدو ضئيلا وبلا قيمة.

 

عندي بعد ذلك نقطتان. الأولى أنه إذا قال قائل إن الأقلية تثير ضجيجا بمناسبة وبغير مناسبة، وأن منهم من لا يعترضون على حظوظ الإخوان فقط وإنما على وجودهم أصلا، فلن أختلف معه من حيث المبدأ لكني أضيف أمرين. الأول أن بينهم عناصر وطنية تستحق الاحترام وينبغي ألا يخسرها الإخوان تحت أي ظرف. والثاني أن الأخطاء التي ترتكبها الجماعة هى التي توفر لذوى النوايا السيئة رصيد الضجيج الذي ينشدونه. النقطة الثانية أن المرونة التي أدعو إليها والنظر إلى المصلحة العليا للوطن لن تعجب بعض المتشددين من السلفيين أو غيرهم، وربما ذمَّوا الإخوان بمثل ما قيل بحق حركة النهضة في تونس، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون سببا للتراجع أو التردد لأن مصلحة الوطن ــ في كل الأحوال ــ  ينبغي أن تقدم على ما عداها.