أعجب أحياناً من إقدام البعض على الجريمة وكيف يمكن أن يقدم الإنسان على قتل أخيه الإنسان حتى أجتمع ببعض الحالات التي تفسر الجريمة. فالإهانة أو تدمير السمعة والإساءة تجعل النفس الإنسانية لا تستريح ما لم تقم بآلية معاوضة لرد الاعتبار إلى الذات، وهذا هو الانتقام. وفي قصة الكونت دي مونت كريستو شيء عجيب من هذا. فالرجل كان غراً يافعاً لم تحنكه الليالي، وكان يعمل بحاراً، وشاء الله أن يتعرض قبطان السفينة لمرض الموت، فقام بتنصيب البحار الشاب محله في قيادة السفينة وأعطاه رسالة يجب أن توصل إلى رجل في باريس، فحملها ولم يعرف خطورتها وأنها مرسلة من نابليون. وكان من بين البحارة من حسد الشاب على منصبه الجديد فكاد له كيداً. وبدأ البحار يعدّ نفسه لحياة زوجية سعيدة، ولكن الذي حصل كان شيئاً مروعاً، فقد تآمر على هذا الشاب ثلاثة أشخاص؛ زميله الحاسد من السفينة، ومنافس لخطبة فتاته مرسيدس، ومتطوع في الجريمة.
وكتب الثلاثة إلى القاضي خطاباً سرياً غير موقع أنه يحمل في جيبه رسالة خطيرة من نابليون. وعندما استدعاه القاضي وطلب منه الخطاب قرأه ليتبين له أن المرسل له كان والده بالذات. التفت القاضي إليه وقال له سوف تذهب لعروسك بعد إجراءات شكلية، التفت البحار إليه وقال إنك قاضٍ نزيه صالح. ولكن القاضي لم يكن نزيهاً ولا صالحاً، وكانت نتيجة البحار أن ألقي في سجن سحيق يقضي فيه بقية حياته بتهمة الخيانة العظمى. وبعد 18 سنة من الحبس نجا على يد رجل عالم كان محبوساً منسياً بتهمة العمل السياسي ضد نابليون، واستطاع الاثنان حفر نفق تحت الأرض ولكنه لم ينفد إلى الحرية وضاع عمل خمس سنوات هدراً. قام الرجل العالم بتثقيف البحار، ثم أعطاه قبل موته خريطة لكنز مخفي في جزيرة بعيدة يعود لعائلة إيطالية غنية. قام البحار بوضع نفسه في الكيس الذي وضعت فيه جثة العالم لرميه من سور السجن إلى البحر. وهناك انتشلته سفينة صيادين، فبنى معهم صداقة متينة، وقام بانتشال الكنز لاحقاً ليصبح أغنى رجل في باريس تحت اسم الكونت دي مونت كريستو. ثم قرر الانتقام وقام بثلاث ضربات أنهت خصومه واحداً خلف الآخر.
ولكن الشيء العجيب أن نفسه لم تعرف الهدوء والسكينة، فمع روح الانتقام تمرض الروح حتى لو دمر خصومه.
إن الإساءة تورث روح الانتقام، ولكنها عملة مردودة وبضاعة متبادلة تنتهي إلى التدمير المتقابل ومن يقتل يقتل.
