الأربعاء 21 يناير 2026 الساعة 10:37 م

مقالات وآراء

المال دم المجتمع

حجم الخط

 

إذا كان الدم في العروق أحمر، فالمال هو السائل الأصفر في المجتمع. ولم يرتبط المال مع السعادة قط وإلا ما خسف الله بقارون وثروته الأرض. ومعظم الجرائم تنبع من الصراع على المال والمرأة. وعندما توجه موسى عليه السلام بالدعاء الموجع على فرعون قال: (ربنا اطمس على أموالهم) باعتبار المال يمثل النفوذ والسلطان والتأثير في حياة الناس.

أما نظرة القرآن للمال والثروة فمختلفة فالقرآن اعتبر المال (خيراً) وليس شراً (كتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ إن ترك خيراً)، (وإنه لحب الخير لشديد)، كما اعتبر القرآن المال (زينة) (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) كذلك اعتبرها (فتنة) كما في الآية (إنما أموالكم وأولادكم فتنة). كذلك اعتبر المال (قوام المجتمع) فهو العمود الفقري الذي عليه يقوم ويتكئ؛ فيجب أن يُحجر على السفهاء إذا أساؤوا استخدام هذه الوسيلة؛ فالمال هنا يصبح (وظيفة) اجتماعية.

كذلك يربط القرآن بين السلطان والمال (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه) والغنى والطغيان (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) لذلك لا يُنَزِّل الله الأرزاق إلا بقدر بسبب اقتران المال بالبغي (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض).

 

كما رأى أن التبذير عمل شيطاني (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) ونهى عن الإسراف (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)، ورأى أن لا يحتكر المال في يد قلة محدودة داخل المجتمع (لكي لا يكون دُولة بين الأغنياء منكم) بسبب بسيط أن المال دم المجتمع يتدفق في شرايينه (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه). ورأى في تكديس المال وكنزه مصيبة اجتماعية يستحق صاحبها أن يكوى وجهه بالنار في علامة لا تزول (فتكوى بها جباههم).

 

كما لم يعتبر المال قيمة عليا في المجتمع ترتفع بها سمعة ومقام الإنسان، كما في المجتمعات المريضة التي يرتفع فيها أسهم قارون، وتهزم قيم العلم والفكر.

 

وحض الإسلام على الإنفاق واعتبره قرضاً يتلقاه الله منا (إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم) كما اعتبر أن أعظم فائدة واستثمار هي الإنفاق في سبيل الله (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه) (وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) فالربح يتضاعف إلى 700 كما في مثل السنبلة؛ فهذه المنظومة المدهشة من حركة المال هي لضخ المال في مفاصل المجتمع؛ كي ينتعش ولا يحجز أو يكنز أو يتجمع في بؤر بعينها فيمرض المجتمع وتتآكل الطبقة الوسطى ويزداد الأغنياء غنى والفقراء فقراً ويتشقق المجتمع ويحتقن وينفجر في ثورة مدمرة.