الأحد 18 يناير 2026 الساعة 05:17 م

مقالات وآراء

عسى خيراً

حجم الخط

 

الناس أصناف، منهم المكتئب المرتعب من كل صدمة ومصيبة ومفاجأة، ومنهم من اعتاد الصدمات والمفاجآت فلا تشكل زلزلة له. والمتشائم من الناس يرى نصف الكوب الفارغ. والمتفائل يرى النصف المملوء. وحسب (براين تريسي) الذي كتاب (أسس علم نفس النجاح)، يدفع الإنسان إلى مجالات الاستقطاب النفسي، أن يجتذب الإيجابيات من الأشياء، تحت قانون الجاذبية النفسية والاستقطاب، بمعنى أن الحزين يرى العالم يبكي والمطر دموع الطبيعة. والمتفائل قوي النفس يرى العالم بهيجاً والمطر مع قوس قزح أجمل مظاهر الطبيعة. هناك كتاب يُنصح بقراءته هو (الذكاء العاطفي) لدانييل جولمان، يفتتح كتابه بقصة سائق ظريف يسلم على كل من يدخل الباص، ويحدثهم بالأمكنة التي يمرّون عليها، وكأنه دليل سياحي، ويودع كل من يخرج من الباص متمنياً له يوماً سعيداً بهيجاً، محركاً الجو الجميل في الباص وكأنهم عائلة واحدة. قال صاحب الكتاب لا يدخل مكتئب باص هذا السائق المتواضع إلا ويخرج سعيداً، ولا مهموماً إلا وقد فرج عنه كربه.

 

في التاريخ الروماني وجدت مدرسة اسمها (الرواقية)، حيث يتمشى الناس في الأروقة في الهواء الطلق ويتبادلون الأفكار. اشتهر فيلسوف منهم كان في الأصل عبداً، هو (أبكتيتوس)، رأى العالم كله خيراً عميماً وليس من شر. كان يقول هات لي ما تريد ولسوف أحوله لك بعصا هرمز إلى خير (هرمز في الأساطير اليونانية رب الرحلات والمغامرات والقمار والحظ). كان يرى أن الموت المرعب الذي يهرب منه الناس ليس كذلك، بل وليمة من الرحمن لزيارة الأرض، ووليمة عامرة بالأطايب، فإذا انتهت علينا الانصراف مع الشكر الجزيل لصاحب الوليمة. إنها أفكار إيجابية، أليس كذلك؟

 

علمنا نبينا (ص) أن نكرر عسى خيراً. كل أمر المؤمن له خير. وفي القرآن أن حادثة الإفك لم تكن شراً مطبقاً، بل خيراً استفاد منها المؤمنون. لا تحسبوه شراً لكم بل خير. السعادة توليد وفيض داخلي، وليست انهماراً خارجياً، فهذه فلسفة عميقة طوبى لمن فقهها، وطوبى لمن طبقها، وطوبى لمن تمتع بها وحرك هذه الآلية من مستودعات السلبية والركود والقنوط.