من كان يظن أنّ العظمة فينا انتهت بموت عظمائنا فليُعِد النظر مرة أخرى وسيكتشف أنّ لكل جيل خيريته وخياره، وأنّ لسان صدق الأولين قد يمتد ويتجدد في الآخرين.
في بيت جديد لم يسكنه بعد أصحابه ولا ساعة قابلتُ خنساء فلسطين، في بيت الدكتور بلال عزام، الذي أجزم أنّه يعاني من حالة شتات وجداني منذ أن زار غزة في الحرب مجاهدا بطبّه فترك نصفه فيها وعاد بنصفه الآخر الذي يظلّ يصرّ عليه بالرجوع مرة بعد مرة تلو أخرى في كل قافلة طبية.
في بيته الجديد، وتعلمون معنى البيت الجديد للمرء، فهو يكدّ طول عمره ليحصل سقفا يؤويه وعائلته، أصرّ الدكتور بلال أن تنزل فيه أم نضال فرحات وتفتتحه بالبركة قبل أن يضمّه وزوجته وبناته الثلاث!
في عالمنا المغرَق بالمادية ما زال هناك من يخرج عن أعز ماله وممتلكاته لله آملا أن يسمع ذات يوم نفس العبارة التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لصهيب الرومي رضي الله عنه، بعد أن ترك كل شيء لأجل الله مهاجرا بإيمانه فقط أن: ربح البيع أبا يحيى.
منذ استشهاد ثالث أبنائها حصلتُ على رقمها وأردتُ أن أتصل لأهنيها أو أعزيها وظللت أؤجل، فماذا أقول لها: عظم الله أجرك؟ ولكن أجرها عند الله عظيم، رحمه الله؟ لقد رحمه الله رحمة واسعة فاصطفاه شهيدا، صبّرك الله؟ ولكنها صبرت صبر أيوب عليه السلام، ففقد ولد واحد كفيل أن يورث القلب حسرة لا تزول، فكيف وقد كانوا ثلاثة؟
خفت أن أتّصل فأسكت وأتلعثم وأبدو كالبلهاء، فآثرت أن أحبّها عن بعد.
ولكنها حلّت ديارنا مريضة متعبة قد أنهكتها السنون والمنون، ولكن على وجهها ذات التصميم وفي منطقها ذات الإصرار، وحتى لو لم يطاوع الجسد القلب فإنّه لن ينفك يحمل الراية حتى تدخل معها إلى مثواها الأخير شهيدة على الأمة بأكملها.
في حضرة أم نضال ستدهشك أعضاؤك بأنّها تريد أن تتأدب وتعتدل، وفمك برغبته الشديدة في الصمت، فأنت في مجلس علم وأدب، وأمام قامة شهدت لها الدنيا بمعانٍ لن تتعلّمها في الكتب ولا بالقراءة، وقد لا تفهمها أنت حتى لو شاهدتها في واقع الحياة، فالبشر مقامات في وصولهم إلى الله وهم مقامات كذلك في تعاليهم على الدنيا.
لا أحد يخرج من عند أم نضال خالي الوفاض، والزاد ليس طعاما بل زوادة للنفس والعقل والهمة.
نسألها عن مآسي غزة والمعاناة التي نقرأ عنها ونشاهدها، فتدهشنا بذكر الإنجازات والأعمال وكأنّها تعلّق بصرها بالأعالي فلا ترى إلاّ المعالي، وتبثّ طاقة الأمل التي تجعل من الجسد المنهك والبلد المُحارَب والناس المشرّدين أبطالا يؤقلمون الدنيا بحسب مبادئهم دون أن تغريهم أو تهزمهم.
من كان يظن أنّ الوصف رومانسي فليجلس إلى أم نضال ليعلم أنّ المثالية ممكنة والأحلام قد تتحقق ولكن لها أهلها الذين يجري الله المعجزات على أيديهم دون غيرهم.
المدارس نوعان: مدارس تنظر على دماء الشعوب، ومدارس تخلط دمها بدماء الشهداء، والتاريخ يشهد أنّ أم نضال رائدة من رواد مدرسة التضحية.
بعد لقائها أقول: استبشروا يا ناس، فما زال في الأمة خير وخيرون، والأرحام التي أنجبت الخنساء وصهيبا وأفاضل التابعين وتابعيهم ما عقمت وستنجب مثلهم إلى يوم الدين.


