قبل حوالي عام وبالتحديد في التاسع من فبراير شباط 2011م وحينما كان يدور الحديث عن انفصال جنوب السودان عن شماله ،كتبنا مقالا بعنوان المولود العربي الجديد ،دققنا عبر سطوره ناقوس الخطر من ظاهرة تقسيم وتجزيء بعض الدول العربية إلى دويلات صغيرة.
وقلنا حينها أن العديد من الدول العربية معرضة للإصابة بهذا المرض الخطير والفتاك وهو المرض القاتل لوحدة الأمة ،وما زلنا في مقالنا هذا نكرر التحذير من مخططات الدول الكبرى وأخواتها الاستعمارية الرامية لإعادة سيناريو اتفاقية " سايكس بيكو " وفرضه على الواقع العربي من جديد ليزداد الوطن تفتيتا بعد تفتيته الأول.
بالأمس كان انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم ،وقبل ذلك كان أن انفصلت جمهورية السودان عن مصر حيث كانتا وحدة واحدة وقطعة جغرافية متماسكة من حيث الحدود والتواصل الجغرافي، والخوف أن تنجح مخططات أعداء الأمة العربية والإسلامية في تكرار تجربة تفريخ الدويلات الصغيرة.
اليوم نقف أمام نموذج جديد من نماذج الانقسام والتشتت العربي إلا وهو إعلان مدينة برقة في شرق ليبيا الانفصال أو الاستقلال عن الدول الأم لتصبح وفق الإعلان إقليما مستقلا يرأسه مؤقتا أحمد السنوسي وهو من بني عمومة الملك السنوسي، تبع ذلك إعلان شركة الخليج العربي للنفط وهي أكبر منتج للنفط الليبي الانشقاق عن شركة النفط الوطنية الليبية والانضمام إلي سلطة إقليم برقة وهو الأمر الذي يعد ضربة للاقتصاد الليبي علاوة عن كون إعلان برقة بمثابة ضربة قاسمة لوحدة البلاد.
وبالأمس كان نجاح الجنوبيون بالسودان في الانفصال بدعم واضح من دول ترغب بتشتت الأمة العربية وبلاد المسلمين وعلى رأسها الكيان الصهيوني ،وإذا استمرت برقة بانقسامها فإن التجربة هذه ستعمم – لا قدر الله – وسيشهد العالم العربي مزيدا من الانشقاقات لسبب أو لأخر فاليمنيون - ربما - سيعودون لأيام الفرقة التي كانوا يعيشونها قبل التوحد، والأقباط المصريون سيسعون لحكم ذاتي ويطالبون بدويلة لهم في أي بقعة من الأراضي المصرية بحجة حرية العبادة والأكراد بالعراق كذلك ،وغير هذه الدول المذكورة من البلدان العربية ستكون أيضا مهددة بالتشرذم والانقسام.
لذلك كله مطلوب مواقف وطنية على صعيد الأشخاص والمفكرين وقادة الرأي والمسئولين والمؤسسات العربية حتى لا يبقي الوطن نهبا للضياع ،يعاني الضعف فوق الضعف والوهن فوق الوهن ،فالعالم اليوم يتجه للتحالفات والتجمعات سواء الاقتصادية أو السياسية ويسير نحو الترابط والاندماج وفي حين نحن كعرب نتجه صوب التفتت والضعف والفرقة وهو أمر في غاية في الخطورة.
يجب على الجامعة العربية على اعتبار أنها الحاضنة لمشروع الوحدة العربية المفترض أن تتنبه لمثل هذا الأمر وتبذل أقصى جهد مستطاع من أجل صياغة تفاهم عربي مشترك قائم على الوحدة والترابط ،والمبادرة لبحث سبل التوحد بتجمعات عربية أكثر تماسك وقوة ،وعلى العلماء يقع دور غاية في الأهمية يتمثل بتقريب وجهات النظر وجسر الهوة وتبديد الخلافات ولو على أرضية قومية وخلفية العروبة فهذا - بلا شك – أفضل من الخيار الأخر الذي تسير الأمة صوبه بقصد أو دون قصد ،ومن الأفضل أيضا للشخص أن يكون جنديا في جيش دولة موحدة أو شخصا عاديا يعيش في أحضان أمة متماسكة على أن يكون قائدا في دويلة صغيرة لا يهابها أحد لأن العالم لا يهاب إلا القوى.
