الخميس 01 أكتوبر 2020 الساعة 05:13 م

مقالات وآراء

درس في الحسابات الوطنية !

حجم الخط

أثبتت حركة حماس بما لا يدع مجالاً للشك، أنها تدور مع المصلحة الوطنية الفلسطينية حيث دارت، عبر تجاوبها بمرونة عالية بلغت حد السخاء والكرم في التعاطي مع مستلزمات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، لاسيما أن موافقتها على تنحية السيد إسماعيل هنية عن رئاسة الحكومة المقبلة لم تتأخر، بل جاءت سريعة جداً في إشارة واضحة مفادها أن تحقيق مصلحة للشعب الفلسطيني أهم بكثير لدى حماس من أي شيء آخر، لتجسد بذلك أسمى صور التعالي عن المصالح الشخصية والمنافع الحزبية الضيقة، مبرهنة في الوقت نفسه على صدق توجهها نحو تمتين الجبهة الداخلية وتعزيز الوحدة الوطنية.

ولعل حركة حماس بخطواتها الواثقة نحو تشكيل أول حكومة وحدة وطنية منذ إنشاء السلطة الفلسطينية، تضرب مثالاً يحتذى به في تقديم المصالح الوطنية العليا على كل الاعتبارات الأخرى، بما يشكل دعوة حقيقية ومبطنة لجميع الأطراف في الساحة الفلسطينية لانتهاج نهجها وعدم الغرق في الحسابات الصغيرة وإدارة الظهر لنهج البحث عن مصالح فئوية هنا وأخرى هناك.

إن على جميع خصوم حركة حماس سواء في الساحة الفلسطينية أو غيرها، أن يستخلصوا العبر والدروس من طريقة تعاطي الحركة مع مختلف الأحداث والضغوط ومحاولات العزل وفرض الحصار؛ فكل هذه الوسائل لم تنجح في انتزاع المواقف منها ومن حكومتها التي حمت الحصون من الاختراق، وهذا يعني أن على الجميع أن يختصر الطريق ويوفر الجهد والوقت في التعامل معها، وأن يلجأ إلى التفاهم فقط؛ لأن هذا هو الطريق الوحيد الذي تتجاوب معه الحركة وما سواه فهي تواجهه بكل ما تملك من عزيمة على الصبر والصمود وقدرة على التحدي والمواجهة، حفاظاً منها على الثوابت وصيانة للحقوق الوطنية.

علاوة على ذلك، فإن مراجعة بسيطة لتاريخ حركة حماس منذ انطلاقها تؤكد أنها ما لانت أمام عظائم الأمور وكبائر الأحداث، فمعظم قادتها ذاقوا مرارة الاعتقال والحبس الانفرادي داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، وجلهم تجرعوا كأس الإبعاد إلى مرج الزهور وقضى الكثير منهم نحبه ثابتاً على المبادئ التي آمن بها، وفي مقدمتهم الشيخ المؤسس أحمد ياسين والشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي والمهندس إسماعيل أبو شنب والمفكر إبراهيم المقادمة والجمالين وصلاح شحادة والقائمة طويلة، ومع كل هذه التضحيات العظيمة واصلت الحركة دربها محافظة على المبادئ والثوابت؛ فهي مازالت تصرخ بأن فلسطين من البحر إلى النهر وتقف حكومتها كالطود الشامخ في وجه الضغوط العالمية التي تحاول إجبارها على إعطاء شرعية للاحتلال والتنازل عن الأراضي المحتلة عام 1948.

كذلك لم تنجر الحركة إلى مستنقع الحرب الأهلية التي مهد لها البعض بممارسات عديدة، وصلت حد التهديد باغتيال قادتها ورموزها، عوضاً عن الأذى الذي لحق برموز حكومتها ومحاولات خلق بؤر توتر عبر استهداف أفراد القوة التنفيذية وأحداث التخريب والتدمير التي طالت مؤسساتها والمؤسسات العامة، وغير ذلك كثير، فرغم ذلك كله ظلت متمسكة بما وعدت به  الجماهير التي انتخبتها، ولم تحد عن الطريق الذي خطته لنفسها بالسعي الحثيث من أجل التخفيف من معاناة المواطنين بيد أن قوى الظلام العالمية أبت ذلك.

إن الحكومة الفلسطينية العاشرة حين تمضي، فإنها تطوي صفحة مشرقة في التاريخ السياسي الفلسطيني، أبرز معالمها الصمود والثبات والعض على الثوابت والحقوق بالنواجذ، مكللة بمعاني العزة والكرامة الوطنية، مجللة بالوقار الشعبي والاحتضان الجماهيري العميق، لاسيما أنها ترحل لتمهد الطريق أمام ولادة حلم فلسطيني طال انتظاره والسعي من أجل تحقيقه ألا وهو تشكيل أول حكومة وحدة وطنية تجمع شمل فرقاء الساحة الفلسطينية.

لكن علامات الاستفهام تنتصب شاخصة مع مسارعة الرئيس محمود عباس إلى الإعلان عن وقف مباحثات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وتجديد أحد الناطقين باسم حركة فتح التأكيد على أن الحركة لن تشارك في حكومة تشكلها حركة حماس؛ بما يؤكد ما ذهب إليه كثير من المحللين بأن حركة فتح لم تستوعب بعد نتائج الانتخابات التشريعية، وعلى ما يبدوا فإنها بحاجة إلى المزيد من الوقت كي تستوعب التغيرات التي حدثت على الساحة الفلسطينية، لكن هذا لا ينغي أن يعطل السفينة الفلسطينية التي يجدر بها مواصلة السير بالمجموع الوطني وإن تخلف مكون أساسي فيه لظروف تخصه وحده.

تقول حركة فتح أنها لا تريد وزارات في الحكومة المقبلة، لكنها على أرض الواقع تعرقل وتنعى الحوار الوطني مع أول مطب يتعلق بتوزيع الحقائب الوزارية، وهذا يعني أنها تمارس تضليل واضح على الشعب الفلسطيني، في حين تتجاوب حركة حماس مع مطلب تنحية رموزها عن حكومة الوحدة بما فيهم رئيس الوزراء الحالي إسماعيل هنية، إضافة إلى تنازلها عن ما تستحقه من الوزارات وفقاً لنتائج الانتخابات لتثبت بذلك حرصها على المصلحة الوطنية الفلسطينية، وتقدم النموذج الأروع في تغليب مصلحة الشعب والوطن على مصلحة الشخص والحزب، فهل من معتبر ؟!!