مصنوع بالحبdesigned with love عبارة يكتبها أحد المحلات البريطانية على الملابس التي ينتجها، ومع أنّ كثيرا من المشترين لا ينتبهون إليها إلاّ أنّه يصرّ على وضعها على جميع منتجاته ليرسل إشارة للزبائن أنّه يحرص عليهم ويهتم بهم، وأنّ العلاقة بينهم ليست علاقة بائع بمشترين فقط!
وما وراء هذه اللمسة البشرية والتسويق الناجح هناك إبداع في الصنعة وذوق وإتقان يجعل المشتري يدفع وهو مطمئن النفس، سعيد ببضاعته دون نقاش ولا مفاصلة ولا شعور بالخديعة، بل إنّ هذه المحلات، بالرغم من أنّها وليدة الثقافة الرأسمالية التي تسعى لتعظيم الأرباح، تجعل جزءا من أرباحها لدعم المجتمع المحلي ونشاطاته المختلفة، بل ولبعضها توجهات سياسية مثل سلسلة محلات ماركس آند سبنسر البريطانية، الذي يخصص ريع يوم السبت لدعم المستوطنات الصهيونية، كما وتحرص المحلات أيضا على إنتاج بضائع وأكياس صديقة للبيئة في خطوات أخرى للتناغم مع العالم.
غير أنّ هذا الحب يبقى محصورا في بلدانهم ولمواطنيهم، يحترمونهم ويقدمون لهم أفضل البضائع والخدمات بحرفية ومهنية وذوقية عالية، ولكن بمجرد الخروج من القارة الأوروبية والوصول إلى بلداننا والبلاد الآسيوية الشقية فإنّهم يستخدمون عمالتنا كأيد رخيصة لتنتج لهم في مصانعهم في بلادنا ضمن معاييرهم العالية للجودة، فلا تكاد تجد منتجا في بريطانيا مثلا يُصنع فيها بل تجد معظمها تحمل أسماء الماركات البريطانية ذاتها مصنوعة في المغرب ومصر وبنغلاديش وسريلانكا وغيرها.
منظومة احترام حقوق الإنسان وآدميته في الغرب ممتدة إلى مظهره ومأكله وملبسه ومشربه، ولكن كلّما اتجهنا شرقا تضاءلت قيمة الإنسان في كل شيء، بالرغم من أننا نقوم بحقوق المواطنة ذاتها التي يقوم بها المواطنون الغربيون وندفع الضرائب ونشتري بالأسعار الباهظة حتى في مواسم التنزيلات الشكلية، إلاّ أننا لا بد أكلنا خبزا يُستعمل به طحين ومواد محسّنة لا تصلح للاستهلاك البشري، وربما فقدنا أسنانا وحشوات في الحلويات المصنوعة محليا، ولبسنا ملابس ما لبثت أن انقطعت أزرارها وفُلت خيوطها من أول لبسه! وهذا في المحسنات والكماليات فما بالنا في الضروريات؟!
بينما نرى صناعة بلادنا بأيدي عمالنا متألقة لامعة قوية نخبا أولا في بلاد الغرب، فنتساءل أيّ نخب يا ترى يُستعمل للانتاج والتسويق المحلي؟! وإذا رضيت المصانع المحلية أن تبيعنا أسوأ الأنخاب فلماذا ترضى فطرتنا «السليمة» وكرامتنا أن نشتريها؟!
وإذا بضاعة الغرب مصنوعة بالحب فهل بضائعنا مصنوعة بالكراهية والبغضاء مثلا؟ وإذا كانوا يتاجرون بالأمانة فهل نتاجر بالغش مثلا؟
ألم يفرض علينا الإسلام أن نزيّن كل تصرفاتنا بالإحسان «إنّ الله كتب الإحسان على كل شيء»، والإحسان أعلى من الحب، فهو حب مع خشية مع مراقبة وقصد يدفع لأعلى درجات عمل الخير، وأمرنا كذلك بالإتقان «إنّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».
لم يأخذ الغرب منّا عمالتنا فقط ولكنه أخذ مبادئنا فمارس الإسلام في تعاملاته بينما نسيناه نحن وتجاهلناه!
عندما يصنع التاجر سلعته بالحب والإحسان والإتقان نفهم لماذا استحق هذه المنزلة العالية في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء».
