لقد تعبنا ومللنا من كثرة ما كررنا هذه الحكاية منذ العام 2003 ولغاية الآن، أعني منذ أن طرح شارون مشروع حزب كاديما كخروج على الليكود، والذي بدأ بالانسحاب من قطاع غزة.
جوهر مشروع شارون هو دولة الجدار الأمني، أي دولة "كانتونات" على أقل من نصف الضفة الغربية، إضافة إلى قطاع غزة (نصف الأراضي المحتلة عام 67)، مع التذكير بأن المساحة التي يتركها الجدار من الضفة لا تشمل القدس. وتبقى مناطق الغور التي لا يغادر الموقف منها مربع الإبقاء عليها تحت السيادة الإسرائيلية، ولو لفترة انتقالية طويلة.
اللافت أن شارون كان يقدم هذا الحل بوصفه "الحل الانتقالي بعيد المدى" الذي يمتد لمدة 10 إلى 15 سنة، يثبت الفلسطينيون خلالها أهليتهم للسلام، ثم يجري بعدها الحديث عما يسمى قضايا الحل النهائي مثل الحدود والسيادة والمستوطنات والقدس واللاجئين (الملف الأخير كان محسوماً لجهة رفض عودة أي من اللاجئين للأراضي المحتلة عام 48).
هي الدولة المؤقتة، بحسب تعبيرات آخرين في الكيان الصهيوني، والتي ستغدو في حالة نزاع حدودي مع جارتها، تماماً مثل عشرات النزاعات الحدودية الموجودة في ملفات الأمم المتحدة.
مؤخراً، وفي مفاجأة متوقعة وربما معروفة، لكنها تبقى رغم ذلك مفاجأة من العيار الثقيل، تقدم نتنياهو للفلسطينيين من خلال مبعوثه لمفاوضات عمان (إسحق مولخو) بهذا المشروع كحل نهائي، أي أنه يتجاوز شارون الذي كان يتفضل على الفلسطينيين بالقول إن مشروعه يشكل حلاً انتقالياً وليس نهائياً.
لا جديد يتجاوز وقاحة نتنياهو المعهودة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بكل قوة هو ذلك المتعلق برد السلطة الفلسطينية، بل رد العرب.
السلطة تقول إنها ترفض هذا الحل، وهو موقف مشكور، وكانت تردد أنها ترفضه حتى كحل انتقالي أو كدولة مؤقتة، وهذا أمر رائع أيضاً، ولكن الواقع على الأرض يؤكد أنهم يكرِّسونه ويمضون فيه بكل ما أوتوا من قوة.
أليست هذه السلطة التي تتمدد على الأرض، ويشرف الأمريكان على أجهزتها الأمنية؛ والإسرائيليون على حركتها الاقتصادية، بما في ذلك استثمارات كبار مسؤوليها وأبنائهم، وبطاقات الفي آي بي التي يحصلون عليها، وقبل ذلك السماح بعقد المؤتمر السادس للحركة التي ستحرر الأرض وتقيم الدولة (المؤتمر السادس لحركة فتح في بيت لحم). أليست هذه السلطة هي عنوان المشروع الذي نتحدث عنه، أكان بطبعته المؤقتة، أم بطبعته النهائية مع تعديلات طفيفة في حال تكرم عليهم نتنياهو ببعض التنازلات؟!
عندما تكون (السلطة/الدولة) هي العنوان العريض لنشاط المجموعة التي سيطرت على قيادة فتح والمنظمة والسلطة منذ العام 2003، فأين يمضي بنا هؤلاء في ظل طروحات نتنياهو التي لا تبتعد كثيراً عن طروحات الآخرين داخل الكيان الصهيوني حتى لو تغيرت القيادة في المستقبل القريب؟! وهل وافق أولمرت وليفني من قبل على تنازلات "وثائق التفاوض" المريعة لكي يقبل بها الآخرون؟!
ليقل لنا أولئك كيف سيردون على هذه الغطرسة واستمرار الاستيطان والتهويد. ألم يقولوا إنهم مع المقاومة السلمية، فلماذا لا يطبقونها واقعاً على الأرض؟! وهل يمكن للذين يصلون الليل بالنهار في سياق التنسيق الأمني أن يتحولوا إلى ثوار بين عشية وضحاها؟!
سيتباكون بالطبع على حياة الناس وعلى الرواتب والمساعدات (كيف كان الوضع قبل أوسلو؟!). ولكن أليس بالإمكان تحويل السلطة إلى سلطة إدارية لا صلة لها بالسياسة وتضع العالم العربي والمجتمع الدولي أمام مسؤولياته لكي يتحمل مصاريفها بينما يفجر الشعب انتفاضته الشاملة ضد العدو وممارساته؟!
ألم يلهمهم هذا الربيع العربي شيئاً؟ وأين هم الذين يرفضون التوطين والوطن البديل من هذا الذي يجري؟ ألا يعلمون أن دولة الجدار الأمني ستطرد الكثير من أهلها بدل أن تستوعب آخرين من الخارج؟!
كل هذا الذي يجري في العالم العربي، وسائر التحولات الدولية تفتح أفقاً رائعاً للتحرير، بما في ذلك التحرير الشامل، على أن تتحول قيادة الشعب الفلسطيني إلى قيادة ثورة، لا قيادة دولة غير موجودة إلا في الأسماء والمسميات، بينما يخضع رموزها لسلطة الاحتلال في سائر شؤونهم.
الحل معروف، والبوصلة الصحيحة يعرفها سائر العقلاء، ولكن أين هي القيادة التي ترفع الراية وتقود المسيرة؟

