السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 03:51 م

مقالات وآراء

التوثيق للمستقبل

حجم الخط

رغم كارثة هيروشيما، لم تحفظ لنا الأراشيف عنها سوى ثلاث صور ما زالت تطبع ملايين المرات. السبب هو جهل الناس بهذا السلاح النوعي وظنهم أن القيامة قامت. وفي مدينة حماة بسوريا، في فبراير 1982، تم قتل عشرات الآلاف من الناس وجرى مسح نصف المدينة، ولم تتوافر صورة واضحة عن بقايا الزلزال البشري.

 

وسر قوة قصة "الهولوكوست"، والتي حصد منها الكيان الصهيوني جبالاً من الذهب الخالص، إنما يكمن في التوثيق. وفي النمسا قام الصهيوني "وايزمان" ببناء ما هو أفظع من المفاعل النووي، وذلك باستحداث مركز معلومات لتتبع النازيين أينما كانوا ولو بلغ أحدهم عمر نوح. وأهمية ما فعله وايزمان تشير إلى أنه على الثورة العربية أيضاً، وفي كل مكان، تسجيل أسماء وصور ومراكز القتلة، حتى لا يضيع حق. في سوريا ينبغي أن يفعلوا ما فعله الحلفاء في الحرب العالمية الأولى على الحدود البلجيكية الفرنسية، وذلك برفع نصب هائل منقوش عليه اسم 18600 جندي كندي ماتوا هناك، وما زالت مقبرتهم تشهد لهم. لقد زرت المكان، ولاحظت مقبرة مجاورة للمغاربة مكتوب عليها: موت بدون شفقة ورحمة. قال لي المغاربة إنه قُتل من أجدادهم هنا أكثر من عشرة آلاف.

 

يجب على السوريين أن يضعوا في مدخل كل مدينة، من الصنمين في حوران حتى القامشلي وعامودة، أسماء من ماتوا على أيدي "الشبيحة" ورجال الأمن، في نصب كبير تنقش عليه أسماء ضحايا الثورة حتى يكون مزاراً للأجيال القادمة فتعرف ثمن الحرية. عليهم أيضاً أن يضعوا سجلاً بالصور لكل من قتل وعذب وفقد، وإلا فذاكرة الشعوب قصيرة وتنسى.

 

هذا هو مغزى ما يفعله المسيحيون كل سنة بحمل الصليب إلى جبل الجلجثة مقلدين عذابات المسيح. كذلك يفعل اليهود كل سنة في قلعة الماسادا إحياءً لذكرى مذبحتها التي تمت عام 72 للميلاد. ويكرر الشيعة ضرب أنفسهم سنوياً في كربلاء، إحياءً لذكرى استشهاد الحسين على أيدي جند يزيد بن معاوية.

 

ما فعله وايزمان النمساوي طوَّرته أميركا بإنشاء مراكز التفكير (Think Tanks Centers)، وفعلت مثلها ألمانيا في اتجاهين للمستقبل والماضي: معهد "دلفي" للتنبؤ، ومشروع "فرايبورج" داخل أنفاق في الجبال تمتد مسافة كيلومترات في الصخر الصلد، لخزن التراث المعرفي للجنس البشري على شكل ميكروفيلم، في براميل ضد الصدأ والاهتراء تصمد لأكثر من عشرة آلاف سنة، فيما لو حدث أن ضرب مذنبٌ الأرضَ وضاعت الحضارة.

 

وفي معهد (ATCC) بأميركا مخزن في الآزوت السائل 160 تحت الصفر لكل أنواع الكائنات الحية من الخلايا والفيروسات، حتى يمكن بعثها مجدداً بعد اثني عشرة ألف سنة، فيما يعيد للذاكرة قصة أصحاب الكهف.

 

كذلك طوّر السويديون والأميركيون الجنوبيون أساليب لحفظ أنواع الحبوب فيما لو ضربت مجاعة الأرض وقضت على المحاصيل. وطور الأميركيون نظاماً للديجتال يحفظ كل يوم آلاف الأراشيف لفترة عشرين سنة القادمة، لحفظ كل التراث، ويتضمن جميع المواقع الإلكترونية وحوالي 120 ألف فيلم ظهرت حتى الآن، بل وربما حفظ نسخ منها على سطح القمر فيما لو انشقت الأرض وبقي القمر.

 

القوم كما نرى جديون، وليس الأمر بالهزل، لأنه لا تدري نفس بأي أرض ومتى تموت وماذا يخبئ القدر غداً؟