الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 02:35 م

مقالات وآراء

ولا حكم النذل فيا

حجم الخط

لم تعد الشعوب قابلة للاستغفال أو الاستغباء لتظن أنّ قرارات حكوماتها تصدر مستقلة وطنية دون أيّ تأثير أو تبعية بل أصبحت تعرف أنّ سياسات دولنا الداخلية والخارجية تصدر من الباب الواطىء الأمريكي الذي نحني رؤوسنا ونريق كرامتنا لننفذ منه، فكلما دق الكوز بالجرة توجّه حكامنا لأخذ أوامرهم من واشنطن التي تصدر لهم فرمانات التعامل مع شعوبهم إما بطشا أو احتواء بحسب ما يخدم مصلحتها!

 

 وبرغم عقود من التعامل مع الغرب، كان آخرها في العراق الذي تركوه حطام بلد، كان بطاغيته الراحل أفضل حالا مما أصبح عليه بعد قدوم دبابات تحريرهم التي قد تكون انسحبت ظاهريا ولكنها أبقت جنودها في السفارات بالآلاف وشركاتها لاستنزاف ما بقي من ثروة البلاد، إلاّ أنّ الحكومات العربية لم ولن تفهم الدرس بأنّ من قسّمونا ككعكة ذات يوم واحتلونا وكانوا ينظرون إلينا كأنصاف بشر وشعوب متخلّفة لم ولن يتغيّروا مهما أبدوا لنا من طرف اللسان حلاوة.

 

 غير أنّ بلاد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لم تستطع أن تخدع شعوبها كما تخدعنا، بل بدا للشعوب الأوروبية، والشعب الأمريكي خاصة، الوجه القبيح لحكوماتهم والذي تحاول أن تخفيه تحت ستار العدالة والقانون، فكان من السخرية أن خرجت سيدة عجوز اسمها إميلي ساندبلايد بخطبة عصماء فازت فيها بالجائزة الأولى في مهرجان القنفذ للحرية بعنوان "عشرة أسباب لتفضيل حكم المافيا على حكم الدولة"! وتشير في تفنيد الأسباب إلى أمريكا.

 

 وجاء في الخطبة التي بدأتها بتعداد الأسباب تنازليا من الأهم إلى الأقل أهمية ما يلي:

 السبب العاشر لتفضيل حكم المافيا على حكم الدولة، أنّ المافيا لديهم ميثاق شرف يلتزمون به وإذا قالوا أنّهم سيفعلون شيئا فإنّهم يفعلونه، أما الدولة والحكومة فلا يعرفون ما هو الشرف وإذا قالوا أنّهم سيفعلون شيئا فإنّهم يفعلونه وبالذات إذا كان في أذية الآخرين.

 السبب التاسع، المافيا لديهم ميثاق سلوكي واضح وبسيط، أما الدولة فلديها مراوغات وملايين القوانين.

 

 السبب الثامن، عندما تتحارب عائلات المافيا المتنافسة فإنّها لا تقتل آلاف المدنيين بذريعة الضرر غير المقصودcollateral damage، والحرب لديها مكروهة لأنّها تعطّل الأعمال، بينما الحرب عند الحكومة مطلوبة ومرغوبة لأنّها تساعدها على تمرير سياساتها.

 

 السبب السابع، بدلا من شن الحرب على المخدرات والشعب الأمريكي كما تفعل الدولة، فإنّ المافيا توفّر منتجات عالية الجودة لمن يريدونها.

 

 السبب السادس، عندما تشتري الأمان من المافيا فإنّ المافيا تحميك وتسيطر على الجريمة في المناطق الواقعة تحت حمايتها، بينما عندما تدفع للحكومة من أجل أمنك وحمايتك فحتى لو طلبت الطوارىء عند الحاجة فستأتيك وقد أصبحت في عداد الموتى!

 السبب الخامس، حماية المافيا أقل كلفة من حماية الدولة، فالمافيا تطلب من 10-15 في المئة من أرباحك، بينما الدولة لا ترضى بأقل من 40-50 في المئة من دخلك.

 

 السبب الرابع، على عكس الدولة فالمافيا تريد لمشاريعك أن تنجح حتى تستطيع أن تدفع لها، بينما الدولة ترهقك بالمعاملات الضريبية التي تجرمك وتدفعك إلى الإفلاس والإغلاق وربما السجن!

 

 السبب الثالث، المافيا لن تمنعك من اقتناء السلاح لحماية عائلتك كما وتوفر الحماية لك، بينما الحكومة تجرّدك من السلاح دون توفير الحماية.

 

 السبب الثاني، الحكومة تريد أن تراقبك حتى في غرفة نومك، بينما المافيا لا تراقبك بل وتوفّر لك كل ما يمكّنك من الاستمتاع بحياتك.

 السبب الأول، حتى أشكال ومظهر رجال المافيا أفضل وأكثر ترتيبا ووسامة من رجال الدولة البيروقراطيين.

 

 ثم تختم: "إذا قال لك أحد أنّ الفوضى قد تؤدي إلى انتشار الجريمة المنظّمة، رد عليهم: على أيّ حال ستكون أفضل من حكم الدولة"!

 والخطبة الفائزة تدل على المستوى المتدني الذي وصلته الحكومة الأمريكية بين شعبها مما اضطرّهم إلى المحاججة على أفضلية المافيا، فقد أدى إسفاف الحكومات إلى إسفاف الشعوب، وأسلوب الخطبة ساخر ولكنّها تنقل آراء وشهادات صريحة من داخل البيت الأمريكي ومن أفواه المواطنين الذين تربّوا على قيم العدالة والأخوة والمساواة، فلما كبروا رأوها سرابا على أرض الواقع!

 

 لقد خرج بعض العرب عن صمتهم وأفهموا الحكومات أنّها مجرد خادمة لمصالح الشعوب، فهل يسلك البقية مسالك الشعوب المتحررة، وهل تكون هذه الخطوة مقدّمة للخروج من بيت الطاعة الأمريكي؟

 

 الشعب الأمريكي لا يرضى بنذالة حكوماته فما بالنا نحن نرضى بذلك؟!

 كان أجدادنا يغنون زمن العزة:

يمه مويل الهوى يمه مويليا

ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيّا.