السبت 24 يناير 2026 الساعة 08:35 ص

مقالات وآراء

الوصفة الأمثل في الكتابة عن الشرق المهلهل

حجم الخط

 للاستشراق والدراسات الاستشراقية تاريخ ممتد مع العرب والمسلمين لا يُعرف له بداية محددة، بينما يُرجِع البعض البدايات إلى ظهور الإسلام، وعندما بعث الرسول رسله إلى الملوك والأمراء خـارج الجزيرة العربية، أو حتى في اللقاء الذي تم بين المسلمين والنجاشي في الحبشة، بينما هنـاك رأي بأنّ غزوة مؤتة التي كانت أول احتكاك عسكري مع غير المسلمين تعد من البدايات للاستشراق، ويرى آخرون أنّ الحروب الصليبية هي بداية الاحتكـاك الفعلي بين المسلمين وغيرهم، الأمر الذي دفع إلى محاولة التعرف على المسلمين، ولم تكن حملات الاستشراق دائما سلمية أو علمية بل كثيرا ما جاء الاستشراق تحت عباءة الاحتلال العسكري أو الاحتلال الثقافي والعولمة.

 إلاّ أنّ نتائج الاستشراق في رسم صورة العرب والمسلمين السلبية لم تنته آثارها مع خروج فلول الاستعمار العسكري بل ترسّخت وتحوّلت إلى رهاب وظاهرة تعرف بالإسلاموفوبيا ساهمت وتساهم في شيطنة العرب واستعداء العالم ضدهم باعتبارهم الخطر الهمجي اللاإنساني الذي يتهدد تقدُّم واستقرار العالم، ولم تسهم محاولات الحوار في إحداث تقارب فكري وتصحيح الصورة، بل ظلّت النظرة الدونية تمتد وتنتشر ولم تنجو منها لا المدارس التاريخية ولا البحوث الأكاديمية ولا الآلة الإعلامية التي سوّقت الصورة ونشرتها بين عامة الشعوب.

 

 وانتشر مؤخرا مقال على أحد المواقع الإلكترونية الإنجليزية موجّه للجمهور الغربي، لا يخلو من سخرية سوداء بعنوان كيف تكتب عن الشرق الأوسط؟ وأسدى فيه الكاتب نصائح للكتّاب وأهل الإعلام مبنية على مطالعة ومتابعة الكثير من المواد المكتوبة والمرئية في هذا المجال، وتشمل النصائح:

 - الشيوخ والانتحاريون عنوان يجتذب القراء كما يجتذب الورد النحل، وسيقبلون عليك حتى لو كان الموضوع تافها والمضمون ضعيفا، بل وستجد من يتعاطف معك ويساندك.

 

 - أما عن قاموس الكلمات الضرورية في العناوين الرئيسية والفرعية، فيجب أن تحتوي كتابتك على الكلمات التالية: الرمل والصحراء، الإسلام والجهاد، الفجر والآذان والحجاب، الصراع والنفط، الجزيرة العربية، الله والغضب، الأرهابيين والأصولية والقبلية، واستخدم وصف "الشارع العربي" عند الحديث عن الشعوب العربية.

 

 - إذا أردت إدراج صورة لعربي أو عربية فلتكن صورة لمحجبة أو لشخص يحرق العلم الإسرائيلي أو الأمريكي أو لشخص يرتدي حزاما ناسفا، وإياك أن تضمّن مقالا أو كتابا صورة لعربي جميل أنيق حتى يظهر الفرق جليا بيننا وبينهم، اقتصر على صور الرجال بالدشاديش البيضاء وتعجّب كيف يمكنهم المحافظة على نظافتها في الجو المغبر، أما نساء العرب فأظهرهم كالغربان السوداء بالعبايات السوداء، وكيف يمشي الرجل وتتبعه النساء وراءه لا بجانبه.

 

 - عند الكتابة عن الشرق الأوسط تعامل معه كوحدة واحدة تحت اسم الوطن العربي Arabiaأو العالم الإسلامي Muslim world، وصفه بأنّه مكان حار مملوء بالصحارى والغبار وقطعان الجمال، وهو كبير يضم 22 دولة و300 مليون نسمة، ويشتعل بالحرب والتفجيرات والموت، والنفط هو كل ما لديهم، وأنّهم قبل النقط لم يكونوا شيئا، وضُم إلى العالم العربي تركيا وإيران وأفغانستان حتى لو لم يكونوا منه، فهم يشتركون في الدين والثقافة.

 

 - احرص على إظهار البون الشاسع والفجوة الكبيرة بين التفوق الأوروبي والتخلف العربي على مستوى الإنسان والمكان، ببساطة أظهر أنّ العرب ليسوا مثلنا، وإياك أن تذكر أنّهم يتعلّمون أو يرسلون أولادهم للمدارس باستثناء التعليم الديني، أما الموسيقى والفن فهذه مواضيع محرّمة عند الحديث عن العرب فهم لا يعرفون أسماءها ولا يشاهدون التلفاز، فالمسجد هو المكان الوحيد الذي يذهبون إليه ولا يعرفون الترفيه، لا شيء سوى الجهاد وإصدار الفتاوى وذبح الأضاحي وظلم المرأة والإساءة إليها.

 

 - احذر أن تتطرّق إلى أيّ من المواضيع التي تظهر العرب كبشر طبيعيين، كالأسرة والتماسك الأسري أو الترفيه، اكتب فقط عن جرائم الشرف، أما إذا قلت أنّ العرب لا يكرهون الغرب فلن تجد أحدا يصدّقك، وإذا كان لا بد من تصوير الحياة العامة فاكتب عنها بمنطق الدهشة والاستغراب، أن كيف يستطيع العرب التمتع بالحياة في ظل الشريعة الإسلامية المتشددة؟! واحرص على بيان وجود تسلط أبوي يسيطر على حياة الناس سواء أكان الأب أو الشيخ أو النظام الحاكم.

 

 - يحظر الكتابة عن العرب المسيحيين أو اليهود، العرب كلّهم مسلمون وبشرتهم داكنة.

 - أما الأماكن العامة فلا تنسى أن تصف كم هو صوت الآذان للصلاة مفاجىء وعالٍ والأسواق مزدحمة وقذرة تفوح برائحة العرق وقذارة الحيوانات وتمتلىء بالصراصير والحشرات وأصوات الباعة التي تصم الآذان.

 

 - إذا كنت كاتبا فخذ على عاتقك قضية تحرير المرأة العربية المظلومة بالحجاب ومن قبل الرجال، وإذا كنت كاتبة فشددي أنّ مأساة النساء العرب هم الرجال العرب المتسلّطون.

 

 - أما عن العرب والعمل فأظهر الموظفين العرب بصورة البدناء الكسالى الذي يفضّلون العمل المكتبي الحكومي والسرقة والتسلّط على الزملاء والمراجعين، وصوّر العرب بإحدى صورتين، إما مسلم متشدد أو فاسق مارق يشتري بماله كل المحرمات.

 - أما صورة الأم العربية فركّز على نساء المخيمات الأميات اللواتي يلطمن ويصرخن باللعنة على الغرب، بينما أولادهن من الإرهابيين التفجيريين، وانتقي مثالا في غاية البؤس والبشاعة والفقر.

 

 هذا غيض من فيض واختصار لإطالة المقال وتفسيراته ونقل لمشاعر حقد واستصغار بسيطة تخفي وراءها كراهية خافية في الصدور.

 هذه صورتنا في الغرب! فكيف نعجب إذن أنّهم يخافون منّا؟ وهل يجب أن يخافوا من أتباع دين أنزل رحمة للعالمين؟

 

 أين الحقيقة في هذه الصورة؟ وكم فيها من الافتراءات؟ وهل بعض ما فيها بعمل أيدينا؟ وأين دورنا بالعلم والعمل والحكمة والموعظة الحسنة في مكافحة العداء للعرب الذي طال ديننا وقرآننا ونبينا وأرضنا ومقدساتنا؟

 (رابط المقال المذكور أعلاه: http://errwhateverz.com/2010/03/01/how-to-write-about-the-middle-east/)