السبت 24 يناير 2026 الساعة 08:36 ص

مقالات وآراء

ماجد أبو مراد

مدير الدائرة الإعلامية بالمجلس التشريعي
عدد مقالات الكاتب [48 ]

دعوها لأنها عبثية

حجم الخط

لا يراودني أدنى شك بأن السلطة كانت وما زالت ويبدو أنها ستبقى – على الأقل في الوقت الراهن والمستقبل المنظور– على علاقة دائمة ومتواصلة مع الاحتلال، كما أني أعتقد أن سياسة التنسيق الأمني في أوجها وعلى أشدها، لذلك لا أقول - كما قال البعض – بأن السلطة برئاسة أبو مازن قد عادت لما كانت عليه من ممارسة تلك السياسات الخاصة بالتواصل والتنسيق الأمني والتطبيع السياسي المقصود مع الاحتلال، لأنها وبكل بساطة لم تنقطع عن ذلك طيلة الفترة الماضية.

 

لكن ما كان يحدث هو شعور أقطاب وأركان السلطة بين الفينة والأخرى بسياسة قيادة الكيان ومن خلفهم واشنطن بالتسويف والمماطلة وعدم التقدم بالعملية السياسية، علاوة على أن البعض الآخر يدرك تماماً عدم رغبة الكيان بإعطائهم شيئًا ذا قيمة سياسية، ناهيك عن حالة الإحباط العام التي تعانيها الرئاسة برام الله من جدوى العملية السلمية ومردودها على شعبنا سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو غير ذلك من المستويات والمجالات الهامة والحيوية.

 

المستغرب أن تطفو الآن على السطح أنباء اللقاءات والاجتماعات بين السلطة وقادة الكيان بالعاصمة الأردنية، ونحن في ظل أجواء تتحدث عن المصالحة وإمكانية تحقيقها على الأرض، وإنهاء الانقسام والتخلص من آثاره المقيتة، شعبنا يستغرب هذا التصرف من أبو مازن لأنه يريد التقدم نحو الوحدة الوطنية وليس نحو التطبيع والتنسيق وطريق العملية السلمية التي لم نجنِ منها أي مصلحة، لذلك يأتي التساؤل المشروع عن توقيت تلك الاجتماعات والسبب وراء كونها معلنة وليست سرية كما جرت العادة سابقاً رغم تحفظنا على النهج برمته.

 

التجربة الفلسطينية وذاكرة الأجيال تقول إن المفاوضات مع الاحتلال لم تجدِ نفعاً، ولم تحقق لشعبنا سوى مزيد من الانتكاسات السياسية، وتردى الوضع الاقتصادي بالإضافة لضيق العيش الذي يكابده شعبنا بالضفة وحرمانه من أبسط الحقوق، وعلى صعيد محاولات المصالحة الداخلية فإن التجربة تفيد بأنه كلما ظننا أننا على مقربة من تحقيقها تظهر نوايا السلطة غير الجادة، بل ومكر بعض الأوساط المتنفذة فيها لإحباط محاولات المخلصين لتحقيقها، تارة بالتنكر لما تم الاتفاق عليه أو باختلاق الأسباب الواهية للتملص من الاستحقاقات والاتفاقات الوطنية الملحة.

 

الأمر الخطير الذي يتوجب التحذير منه هو أن تكون السلطة قد تمرست على التلاعب بمشاعر الناس وعموم الفلسطينيين بإشاعة أجواء التفاؤل والمصالحة مكراً وزوراً بغرض حرق الوقت وتحقيق مكاسب سياسية وتفاوضية، أو للتقرب من أقطاب السياسة الدولية سواء بالبيت الأبيض أو غيره من مراكز القوى العالمية الإمبريالية الباغية، والحقيقة المرة التي تتكشف وتتأكد يوماً بعد يوم أن سعي السلطة لتلك اللقاءات يأتي لخدمة الاحتلال وحماية مصالحه فقط على الرغم من ضعف السلطة الشديد، وعدم مقدرتها على تلبية حاجات شعبنا بالإضافة لعدم تحقيق أي إنجازات عملية على الأرض بفضل المفاوضات واللقاءات مع العدو.

 

المطلوب في النهاية أن تبتعد السلطة ورئاستها عاجلاً عن الاحتلال، وتتوقف عن تقديم الخدمة المجانية له بعقد اللقاءات والمفاوضات - غير المجدية – والبدء الحقيقي بالتقرب نحو شعبنا ومصالحه الوطنية العليا، وإجراء معالجات عاجلة وسريعة لتداعيات وتأثيرات المفاوضات مع العدو التي استمرت لعشرين عاما دون نتائج، وكذلك التوجه الفوري لإنهاء الانقسام والمضي قدما في طريق المصالحة المجتمعية وبناء الذات الفلسطينية، والاستفادة من أجواء التوافق الوطني وتقارب الفصائل الفلسطينية، واستغلال الربيع العربي ونتائج الثورات الشعبية المشرفة بالوطن العربي قبل فوات الأوان، وعلى السلطة أن تستمع لنداءات كافة فئات شعبنا وقواه الحية القائلة بشأن المفاوضات دعوها فإنها نتنة وعبثية وليست مجدية.